دعاة على أبواب جهنم (1-2) لفضيلة الشيخ / محمد المحيسني
الحمد لله العالم المريد، الخالق الرازق المبدئ المعيد، ذو العرش المجيد، عفوه عظيم، وبطشه شديد، خلق الجنة لمن أطاعه، والنار لمن عصاه من العبيد، نحمده تعالى حمداً يليق بجلاله، ونشكره على إفضاله.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عم الوجود بجوده، وشمل العالمين بنواله، وجعل الحياة لابن آدم مزرعة لأعماله، يحصد ما زرع فيها عند مآله.
ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، المعروف بكماله، القائل:«أنا أعرفكم بالله، وأتقاكم له»(1)؛ لما شاهد من جمال ربه وجلاله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها الناس! اتقوا الله تعالى القائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102]، واتقوا الله تعالى القائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6].
أيها الناس! كان حديث الجمعة الماضية عن الجنة وبعض نعيمها، وما أعده الله لأهلها فيها من الأنهار والقصور والنساء، ومجاورة الصالحين والأنبياء، ورؤية الجبار خالق الأرض والسماء، وفي هذه الجمعة اخترت أن يكون الحديث عن النار وجحيمها، وما أعده الله لأهلها فيها من الغسّاق والغسلين، والحميم وصنوف العذاب وألوانه؛ ذلك لأن المسلم مطالب بأن يعيش في هذه الدنيا بين حالتي الخوف والرجاء، فإذا تساهلت النفس بعبادة الله، وانساقت خلف معاصيه خوفها بالله وبعذابه، وإذا استأنست بطاعة الله ومرضاته قواها برجاء الله وسعة رحمته ورضوانه.
أيها المسلمون! لقد حذر الله عباده الجن والإنس من النار؛ فحوى القرآن من هذه النصوص المنذرة ما لا يحويه كتاب سماوي آخر، وأفاضت السنة في شرح ما يكون من أهوال النار وعذابها، فوردت كلمة النار في إحدى وعشرين ومائة آية في القرآن، كما ورد تعبير جهنم في سبع وسبعين آية، وتكرر ذكر لفظة الجحيم في ست وعشرين آية، ولفظة السعير في ستة عشر آية.
وإلى جانب ما عبر عنه الكتاب العزيز من فظائع كان الصحابة يسألون رسول الله عن النار، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجيبهم مقرباً إلى أذهانهم ماهيتها، وتكوينها، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءاً من حر جهنم، قالوا: والله يا رسول الله! إن كانت لكافية؟ قال: فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلها مثل حرها» (2)، وفي حديث آخر: «أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت؛ فهي سوداء مظلمة» (3).
هي دار ضيقت الأرجاء، مظلمة المسالك، مبهمة المهالك، يخلد فيها الأسير، ويوقد فيها السعير، طعام أهلها الزقوم، وشرابهم الحميم، يقول تعالى عن شجرة الزقوم: {إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ} [الصافات:63-66].
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن الزقوم: «لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معائشهم؛ فكيف بمن تكون طعامه؟!» (4).
وروى ابن عباس موقوفاً:" إذا جاع أهل النار استغاثوا من الجوع، فأغيثوا بشجرة الزقوم فأكلوا منها، فانسلخت وجوههم حتى لو أن ماراً مر عليهم يعرفهم لعرف جلود وجوههم، فإذا أكلوا منها ألقي عليهم العطش، فاستغاثوا من العطش، فأغيثوا بماء كالمهل، فإذا أدنوه من وجوههم أنضج حره الوجوه؛ فيصهر بما في بطونهم، ويضربون بمقامع من حديد، فيسقط كل عضو على حياله، يدعون بالثبور"(5).
وروى الإمام أحمد بمسنده عن ابن عباس في قوله: {وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ} [المزمل:13]، قال:" شوك يأخذ بالحلق لا يدخل ولا يخرج"(6).
وخرج الترمذي من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم:«يلقى على أهل النار الجوع فيعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بطعام من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون فيغاثون بطعام ذا غصة فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب، فيدفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد، فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم فإذا وصلت إلى بطونهم قطعت ما في بطونهم»(7).
وذكر ابن عباس في تفسير قول الله تعالى: {فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ} [الحاقة:35-36] قال: هو صديد أهل النار. قال:" الغسلين الدم والماء يسيل من لحومهم، وهو طعامهم"(8).
وقال مقاتل:" إذا سال القيح والدم بادروا إلى أكله قبل أن تأكله النار"(9).
وعند قول الله تعالى: {هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} [ص:57-58] قال قتادة:" هو ما يغسق. أي: يسيل من القيح والصديد من جلود أهل النار ولحومهم، وفروج الزناة، ودموع أهل النار وعروقهم، وإذا كان الغساق مائدة الزناة"(10).
فما هي مائدة من ولاهم الله أمور المسلمين، فهيئوا لشعوبهم طرق الزنا، ففتحوا المسارح والأندية، وسعوا للاختلاط في المدارس ومراكز الصحة وغيرهما، وبث الخنا والرذيلة، والمناظر الخلابة الخداعة في إعلامهم.
وخرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: { وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ} [إبراهيم:16- 17] قال:«يقرب إلى فيه فيكرهه، فإذا دنى منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره»(11).
وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إن لله عهداً لمن شرب المسكرات، ليسقينه من طينة الخبال، قالوا: يا رسول الله! ما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار»(12).
ويقول ابن حبان في صحيحه:«من مات مدمن خمر سقاه الله من نهر الغوطة. قيل: ما نهر الغوطة؟ قال: نهر يخرج من فروج المومسات يوذي أهل النار نتن فروجهم»(13).
إن ما تسمعونه ليس كلاماً للبشر، وإنما هو كلام من آمنا به رباً، ورضينا بدينه ديناً، وكلام سيد المرسلين عن رب العالمين؛ فأنقذوا أنفسكم يا أمة محمد! أنقذوا أنفسكم يا أمة محمد! أنقذوا أنفسكم يا شربة الخمور من أمة محمد! أنقذوا أنفسكم يا من تتسترون على شربة الخمور، وتحاولون إذابة قضاياهم خشية عليهم من عذاب الخلق؛ فإن عذاب الآخرة أبقى وأشد.
روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لو أن غرباً من حميم جهنم جعل في وسط الأرض لآذى نتن ريحه وشدة حره ما بين المشرق والمغرب»(14)، ذلكم هو بعض طعام أهل النار وشرابهم.
روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إن أول من يكسى حلة من النار إبليس يضعها على حاجبيه، ويسحبها من خلفه ذريته خلفه، وهو يقول: يا ثبوره! وهم ينادون: يا ثبورهم، فيقال لهم: {لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} [الفرقان:14]» (15).
وفي مسند الإمام أحمد عن سمرة بن جندب، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«ما تحت الكعبين من الإزار في النار»(16) قال العلماء: إنه يسحب ثوبه في النار كما كان يسحبه في الدنيا.
وعند قول الله تعالى: {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} [الزمر:16] طعامهم نار، وشرابهم نار، {أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ} [البقرة:174] ولباسهم نار، ومهادهم نار، فهم بين مقطعات النيران، وسرابيل القطران، وضرب المقامع التي لو وضع منها مقمع فاجتمع له الثقلان ما أقلوه من الأرض، ولو ضرب به جبل لتفتت.
يضرب أهل النار بتلك المقامع حتى يقتحموها بأنفسهم؛ خوفاً من المقامع، فيلعن بعضهم بعضاً وهم يتهافتون فيها، فيلعن الرئيس وزيره الذي كان يزين له عمل الباطل، ويحببه إلى نفسه، ويلعن الوزير رئيسه الذي كان سبباً في هلاكه.. يلعن الجنود زعيمهم الذي أمرهم بقتل الأبرياء، وسجنهم، ويكفر بعضهم ببعض، فتقول الطائفة الأولى لمن خلفها: لا مرحباً بهم، ويلعن الصديق صديقه الذي غرر به في الدنيا، وجره إلى الرذيلة والفاحشة، {الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف:67].
تناكروا بعد المعرفة، تلاعنوا بعد المحبة، أصبحوا يتقلبون في أنواع العذاب، يعانون ما لا تطيقه الجبال بأجسام وأجساد قد ضُخمت وعُظمت، وبجلود تبدل كلما نضجت، {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [النساء:56]، يتجلجلون في مضائقها، يتحطمون في دركاتها، يضطربون بين غواشيها، فلا تسأل عما يعانونه من ثقل السلاسل والأغلال، {إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ * ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ} [غافر:71-73].
يقول الحسن عند قول الله تعالى: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ} [الحاقة:30]:" أما وعزته ما قيدهم مخافة أن يعجزوه، ولكن قيدهم لترسي في النار"(17).
ويقول ابن عباس رضي الله عنه عند قوله: {ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} [الحاقة:32]:" تسلك في دبره حتى تخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه"(18).
ويقول ربنا تبارك وتعالى عن حال النار وأهلها: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} [المؤمنون:104]، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم تفسير هذه الآية فقال:«تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته»(19).
ويقول عطاء:" يرمى بالرجل في النار منكوساً؛ فأول شيء تمسه النار منه الوجه"(20).
{أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزمر:24]، وقد أجرى الله العادة أن الإنسان يقي وجهه بيديه، ويقيه جسمه كذلك بيديه، فأما هنا فهو لا يملك أن يدفع عن نفسه النار بيديه، ولا برجليه، ولا بجسمه، فيدفعها بوجهه، هول واضطراب، هول وفزع، هول وقلق، مجرد تصوره يورث القلق والفزع والانزعاج.
إن الذين آمنوا بهذا الوعيد، وبهذه الأهوال، وصدقوا بها هان عليهم تعذيب المخلوقين من الأذناب بشتى أنواعه وطرقه، فهانت القيود عند الأغلال، وهانت السياط عند المقامع، وهانت السجون عند قعر جهنم، وهان القتل بحرارته عند تلك الأهوال، إن الذين آمنوا بهذا الوعيد، وصدقوا بوقوعه، رخصت عليهم الدنيا بكامل زينتها، حتى قال قائلهم علي رضي الله عنه مخاطباً إياها:" يا دنيا إليّ تعرضتي أم تشوقتي؟ هيهات غري غيري فقد طلقتك ثلاثاً، لا رجعت لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير، آهٍ من قلة الزاد وبعد السفر، ووحشة الطريق، فذرفت عين معاوية بالبكاء، فما ملكها، وهو ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء أيضاً"(21).
قد أمست الطير والأنعام آمنة *** والنون في البحر لم يخبء لها فزع
والآدمي بهذا الكسب مرتهن *** له رقيب على الأسرار يطلع
إذا النبيون والأشهاد قائمة *** والجن والإنس والأملاك قد خشعوا
وطارت الصحف في الأيدي منشرة *** فيها السرائر والأخبار تطلع.
فكيف سهوك والأنباء واقعة *** عما قليل ولا تدري بما تقع
أفي الجنان وفوز لا انقطاع له *** أم في الجحيم فلا تبقي ولا تذر
تهوي بساكنها طوراً وترفعهم *** إذا رجوا مخرجاً من همها قمعوا
طال البكاء فلم ينفع تضرعهم *** هيهات لا رقة تغني ولا جزع
سئل ابن عباس عن الخائفين وأحوالهم، فقال:" قلوبهم بالخوف قرحة، وأعينهم باكية، يقولون: كيف نفرح والموت وراءنا، والقبر أمامنا، والقيامة موعدنا، وعلى جهنم طريقنا، وبين يدي الله موقفنا؟!"(22).
ومر الحسن البصري رحمه الله بشاب وهو مستغرق في ضحكه جالس مع قوم، فقال له الحسن:" يا فتى هل مررت بالصراط؟ قال: لا، قال: فهل تدري إلى الجنة تصير أم إلى النار؟ قال: فما هذا الضحك؟ فلم ير الشاب ضحكاً مرة أخرى"(23).
وكان ميسرة يقول إذا أوى إلى فراشه:" ليت أمي لم تلدني، فقالت له أمه حين سمعته مرة من المرات: يا ميسرة! إن الله قد أحسن إليك، هداك إلى الإسلام؟ قال: أجل. ولكن الله تعالى بين الله لنا أنا واردون على النار، ولم يبين لنا أنا صادرون منها"(24).
وقال معاذ بن جبل:" إن المؤمن لا يسكن روعه حتى يترك جسر جهنم وراءه"(25).
فالعارفون الله حق معرفته، والمؤمنون بوعده ووعيده، هم كما قال علي رضي الله عنه لما سلم من صلاة الفجر في يوم من الأيام وقد علته كآبة وهو يقلب يده:" لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلم أر اليوم شيئاً يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثاً صفراً غبراً، بين أعينهم أمثال ركب المعزى، قد باتوا لله سجداً وقياماً، يتلون كتاب الله، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا ذكروا الله، فمادوا كما يميد الشجر في يوم ريح، وهملت أعينهم بالدموع حتى تبل ثيابهم، والله كأني بالقوم باتوا غافلين، ثم قام من مصلاه، فما رأي بعد ذلك ضاحكاً حتى قتله ابن ملجم" ألجمه الله بلجام من نار(26).
تلكم النار، وهذه أحوال الهاربين منها، وفي الجمعة القادمة نستأنف الحديث في الكلام عن أهلها من السلاطين الظلمة، ومن الرعاع الكفرة، ومن المجرمين الخونة، ومن العصاة الفسقة، أعاذنا الله من عذاب الله وبطشه، ونجانا الله جميعاً من ناره.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله أمر بتقواه، وأخبر أن من اتقاه وقاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا رب لنا سواه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأكرم الخلق على الله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن والاه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فاتقوا الله لتنالوا رضاه.
أحبتي في الله! رأى الحسن البصري رجلاً يلعب بالحصاة، ويدعو الله بقوله: اللهم زوجني الحور العين، فقال له الحسن:" تعبث بالحصى، وتطلب الحور العين، بئس الخاطب أنت!" (27).
ونقول للذين يستلذون بسماع وقراءة أهل الجنة، ثم ينهتون ويقولون: اللهم اجعلنا من أهل الجنة، وهم على حالهم، لا يريدون تغيير ما بأنفسهم من جرائم ارتكبوها، نقول لهم: بئس الطلاب أنتم! فمن أراد الحصول على الجنة، والنجاة من النار؛ لزمه أن يشمر على ساعد الجد، ويعمل متخطياً الصعاب والمكاره، فهذا هو دأب أصحاب القلوب السليمة، أما القلوب التي غطاها الران وقست، فلا يزيدها ذكر هذا الأمر إلا طغياناً وتمادياً في المعاصي، كما قال تعالى: {وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا} [الإسراء:60].
وإن أقوى علامة للاتعاظ والخوف: ترك المعاصي، كما قال ابن تيمية رحمه الله:" الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله، ولا يعبد الله بالخوف فقط، وكذلك لا يعبد بالرجاء فقط، فلا بد من عبادته بالخوف والرجاء، كما أخبر بذلك ربنا تبارك وتعالى بقوله: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء:57].
أسأل الله العلي القدير أن يرضى عنا، وأن يسكننا فسيح جناته، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
اللهم يا رب الأرباب، ويا مسبب الأسباب، ويا راحم المذنب إذا انطرح بين يديه وأناب، نسألك أن تعيذنا من الهلكات، ومن دار السعير والدركات، وأن تباعد بيننا وبين النار، وما فيها من الأغلال واللفحات.
عباد الله! صلوا وسلموا على خير عباد الله، فقد أمركم الله بذلك فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56]، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم إنا نسألك حبك، وحب من يحبك، وحب العمل الذي يقربنا إلى حبك يا رب العالمين.
عباد الله! إن الله يأمركم بثلاث فاعملوها، وينهاكم عن ثلاث فاجتنبوها، {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
ـــــــــــــــــــــ
(1) المقاصد الحسنة (1/167)، رقم (184)، وقال:"صحيح"، رورى البخاري: باب الترغيب في النكاح (5/1949)، رقم (4776) بلفظ:"إني لأخشاكم لله وأتقاكم له".
(2) البخاري: باب صفة النار وأنها مخلوقة (3/1191)، رقم(3092)، ومسلم: باب في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها (4/2184)، رقم (2843).
(3)الترمذي: باب منه (4/710)، رقم (2591)، وقال:" حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ في هذا مَوْقُوفٌ أَصَحُّ ولا أَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ غير يحيى بن أبي بُكَيْرٍ عن شَرِيكٍ".
(4) أبو داود: باب ما جاء في صفة شراب أهل النار (4/706)، رقم (2585)، وابن ماجه: باب صفة النار (2/1446)، رقم (4326)، وأحمد: (1/300)، (2735).
(5) تفسير الطبري (17/135).
(6) تفسير الطبري (29/135)، والدر المنثور (8/319).
(7) الترمذي: باب ما جاء في صفة طعام أهل النار (4/707)، رقم (2586).
(8) تفسير ابن أبي حاتم (10/3372)، رقم (18977)، والدر المنثور (8/275).
(9) زاد المسير (8/354).
(10) تفسير البغوي (4/67).
(11) الترمذي: باب ما جاء في صفة شراب أهل النار (4/705)، رقم (2583)، وأحمد (5/265)، رقم (22339).
(12) مسلم: باب بيان أن كل مسكر خمر (3/1587)، رقم (2002).
(13) ابن حبان: ذكر البيان بأن الله جل وعلا يسقي مدمن الخمر من نهر الغوطة في النار نعوذ بالله منها (12/165)، رقم (5346)، وأحمد (4/399)، رقم (19587).
(14) المعجم الأوسط (4/88)، رقم (3681)، وقال في مجمع الزوائد (10/387):" وفيه تمام بن نجيح وهو ضعيف وقد وثق وبقية رجاله أحسن حالا من تمام".
(15) أحمد (3/152)، رقم (12558)، ومصنف ابن أبي شيبة (7/262)، (35907)، في مجمع الزوائد (10/392):" رواه أحمد والبزار ورجالهما رجال الصحيح غير علي بن زيد وقد وثق".
(16) النسائي: باب ما تحت من الكعبين من الإزار (8/207)، رقم (5330)، وأحمد (5/15)، رقم (20180).
(17) صفة النار لابن أبي الدنيا (ص51)، رقم (85)، والتخويف من النار لا رجب (ص93).
(18) تفسير ابن أبي حاتم (10/3372)، رقم (18975)، وتفسير الطبري (29/64)، والدر المنثور (8/274).
(19) الترمذي: باب ما جاء في صفة طعام أهل النار (4/708)، رقم (2587).
(20) تفسير البغوي (4/77)، وكشف الخفاء (2/354)، رقم (2564).
(21) حلية الأولياء (1/85)، وتاريخ مدينة دمشق (24/401).
(22) إحياء علوم الدين (4/184).
(23) إحياء علوم الدين (4/185).
(24) حلية الأولياء (4/142).
(25) تفسير ابن أبي حاتم (10/3427)، رقم (19270).
(26) كنز العمال (16/84)، رقم (44222)، وتاريخ مدينة دمشق (42/492).
(27) حلية الأولياء (5/288).
جميع الحقوق محفوظه لموقع الشيخ محمد المحيسني 2011 - 2012