about sheikh
عن محمد بن سليمان المحيسني

كانت بداية إمامة الشيخ ليلة 28 من عام1399هـ وعمره آنذاك 14 سنة بجامع العجيبة بالرياض ثم أمّ الناس بمسجد العباس عامي 1400هـ و 1401هـ بالرياض ثم انتقل إلى بريدة لطلب العلم ومساعدة والده في التجارة عام1402هـ ثم أمّ الناس في رمضان بمسجد العنّاز ببريدة ( شارع الصناعة ) عام1402هـ

أحدث التسجيلات

ما تيسر من الدخان - صلاة عشاء من عام 1430هـبصوت الشيخ محمد بن سليمان المحيسني

عشائية من عام 1429هـ النجم بترتيل مختلفبصوت الشيخ محمد بن سليمان المحيسني

سورة صبصوت الشيخ محمد بن سليمان المحيسني

سورة الجنبصوت الشيخ محمد بن سليمان المحيسني

ما تيسر من سورة آل عمران مع الدعاءبصوت الشيخ محمد بن سليمان المحيسني

قراءة عتيقة لبداية المائدةبصوت الشيخ محمد بن سليمان المحيسني

أحدث الفيديوهات
تطبيقات المحيسني

قريبا تطبيق المحيسني للقرآن الكريم
قريبا مؤسسة المحيسني الخيرية
al mohisini apps.
الخطب المقروءه
فلنستعِد أمجاد بدر الكبرى
فلنستعِد أمجاد بدر الكبرى

فلنستعِد أمجاد بدر الكبرى محمد بن سليمان المحيسني أما بعد: أيها المسلمون! اتقوا الله تعالى فقد أمركم الله بتقواه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:70-71]. عباد الله! لقد صاغ الإسلام الأمة الإسلامية صياغة فريدة؛ فجلا صدأها، وغيَّر كثيراً من مفاهيمها وعاداتها وتقاليدها، وأصَّل فيها عقيدة التوحيد الخالص، لا تشوبه ش.....

فلنستعِد أمجاد بدر الكبرى

فلنستعِد أمجاد بدر الكبرى

محمد بن سليمان المحيسني

أما بعد:

أيها المسلمون!

اتقوا الله تعالى فقد أمركم الله بتقواه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:70-71].

عباد الله!

لقد صاغ الإسلام الأمة الإسلامية صياغة فريدة؛ فجلا صدأها، وغيَّر كثيراً من مفاهيمها وعاداتها وتقاليدها، وأصَّل فيها عقيدة التوحيد الخالص، لا تشوبه شائبة، ولا يعكره كدر، وحفظها مما يضادُّها، أو ينافي كمالها، فصارت خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله.

ثم مضت بهذه العقيدة -وهي قلة قليلة- تهدي الأمم، وتدك معاقل الوثنية، فهوت دُول، وسقطت تيجان، وفتحت إمبراطوريات، وأعلى الله كلمته، ومكن لجنده في أرضه، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:47].

ففي مثل هذا الشهر - رمضان- من العام الثاني من الهجرة النبوية دارت معركة بين الحق والباطل..

بين قوى الشر وقوى الإيمان، هي غزوة البدر الكبرى التي ستظل ذكراها خالدة على مدى الأيام؛ لتقول للدنيا: إن الباطل مهما طال أمده، وقويت شكوته؛ فلا بد من يوم يَخرُ فيه صريعاً أمام روعة الحق، وقوة الإيمان.

معشر المسلمين!

تعلمون أن أهل مكة طاردوا المسلمين وأذاقوهم صنوف العذاب حتى ألجئوهم إلى الهجرة، ويا ليتهم وقفوا عند هذا الحد، بل حالوا بينهم وبين أموالهم وأزواجهم، وأعلنوا بالجوائز لمن يأتي بالنبي صلى الله عليه وسلم حياً أو ميتاً، ولكن خاب ظنهم ومرت الهجرة بسلام إلى المدينة المنورة، وبعد مضي عام واحد من هذه الهجرة بدأت الانتصارات تترا، والبطولات تتتابع، والفتوحات تتوالى.

وكان من أول عزهم وارتفاعهم اعتراضهم لقافلة قادمة من الشام إلى مكة مليئة بالضائع المتنوعة، وكان الداعي لاعتراض المسلمين هذه القافلة، إنما هو استرداد ما أخذه الكفار منهم قبل ذلك، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم نفراً من المسلمين لاعتراضها، فما إن علم أبو سفيان رئيس القافلة حتى غير طريقه، وبعث إلى قريش يطلب منها أن تتحرك لنجدته وإنقاذه، واستطاع أن ينجو بالتجارة، ولكن قريشاً خرجت بصناديدها وأبطالها لتأدب المسلمين لئلا يعودا إلى هذه الفعلة، ولله تعالى حكمة في خروجها.

إن المسلمين لم يكن في تصورهم قيام مثل هذه المعركة وهم في بدأ حياتهم، ولم يكن في حُسبانهم أن تحدث هذه المواجهة، ولكن يأبى الله إلا ما يريد!

فالتقى الجيشان..

التقى رسول الله صلى عليه وسلم بقريش عند ماء بدر، وكان هناك فرق شاسع بين عدده وعدد أعدائه، وبين عتاده وعتاد أنداده، أما المشركون فكانوا تسعمائة ويزيدون، وأما المسلمون فكانوا قلة، كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وكان معهم نحو سبعين بعيراً يعتقبونها، وفرس واحد وقيل ثلاثة، كما ورد ذلك في سنن أبي داود، عن عبد الله بن عمرو قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجوا، فقال: «اللهم إنهم حفاة فاحملهم، وإنهم عراة فاكسهم، وإنهم جياع فأشبعهم» ففتح الله يوم بدر، فانقلبوا حينن انقلبوا وما فيهم رجل واحد إلا وقد رجع بجمل أو جملين، واكتسوا وشبعوا"(1)، وقد كانوا على غاية من قلة الظهر والزاد.

ولقد بلغ من إكرام الله لنبيه ومن معه في ذلك اليوم أن أنزل الله عليهم طشاً من مطر، وغشاهم الله بالنعاس أَمَنة منه، وأنزل معهم الملائكة عوناً لهم، يقول علي رضي الله عنه: "لقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح"(2).

وفيه أيضاً: أصابنا طش من مطر -يعني ليلة بدر- فانطلقنا تحت الشجر نستظل بها من المطر، وبات رسول الله يدعو ربه ويقول: «إن تهلك هذه الفئة لا تعبد»(3).

فأمد الله نبيه بنصر من عنده، وبجند من جنده، كما قال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:9-10].

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما رآهم: «اللهم إن هؤلاء قريش قد جاءت بخيلائها يُكذبون رسولك؛ فأنجر لي ما وعدتني، فأتاه جبريل فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها؛ فأخذ قبضة من حصباء الوادي فرمى بها نحوهم، وقال: شاهت الوجوه(4)، فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه ومنخره وفمه شيء»(5)، ثم كانت الهزيمة، ولله الحمد.

وما زال المسلمون بعدها من انتصار إلى انتصار، ومن فتح إلى فتح، حتى أتى الوقت الذي ابتعد فيه المسلمون عن دينهم، وتلاطمت فيه الفتن كموج البحر، فتنٌ جعلت الحليم حيران، يصبح الرجل فيها مؤمناً، ويمسي كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا..

فتنٌ انهمك الناس في ملذاتها، وجدوا في تحصيلها؛ فصار حبهم وبغضهم فيها، ومعاداتهم من أجلها، وخلت الساحة من الدعاة الصادقين إلا قلة مضطهدة، فتمكن إخوان القردة من العالم وهيمنوا عليه، واستخدموا المال والنساء فأفسدوا القيم، وحرفوا الأمم، ونشروا الرذيلة، وحاربوا الفضيلة، فسادوا وحكموا العالم، وحركوه نحو مصالحهم، فأصبحنا شعوباً تائهة، يُقتل المسلمون جملة وتفصيلاً، فلا قلوبٌ تتحرك، ولا ألسن تنطق، فنزلت قيمتنا لما نزلت قيمة دين الله في أعين كثير منا، وصرنا فرقاً متعددة، وشباباً ضائعين، فزادت حَيرتنا، واشتد تَيهنا، وذهب أكثر عملنا سدى، فصدق فينا قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة على قصعتها، قال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت» (6).

هكذا صرنا يا عباد الله!

بعد أن سُدنا قروناً طويلة، يوم أن طلق سلفنا الصالح هذه الدنيا، وكانت حالتهم كما قال القائل:

إن لله عباداً فطنا *** طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا

نظروا فيها فلما علموا *** أنها ليست لحي سكنا

تركوها لجة واتخذوا *** صالح الأعمال فيها سفنا

فما أحوج المسلمين في هذا الوقت إلى الصدق مع الله لمعرفة ما يكره، ومعرفة ما يرضاه، والجد في ذلك تعلماً وعملاً، وإخلاصاً ودعوة، وصبراً على الأذى.

معاشر المسلمين!

اعلموا أن الذي نصر نبيه وجنده يوم بدر لما صبروا وجاهدوا في سبيله، ناصر لكل مؤمن ومجاهد يسعى لتحقيق نصر دينه، ولنشر الفضيلة بين عباده، ولقد كنا نستمتع بأخبار الصحابة، وما حصل لهم من البطولات والكرامات والانتصارات التي قد ترفضها القلوب المريضة، وها نحن في القرن العشرين، في عصر التأخر والانحلال لكثير من بلدان المسلمين، ها نحن نسمع أخبار المجاهدين من العرب والعجم، بل ومن أهل هذا البلد من أبنائكم وإخوانكم تصل إلينا غضة طرية، مبينة بشائر النصر إن شاء الله، ومحققة لأهل هذا الزمن قول الله سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:47].

فهذه وقعة وقعت في شهر شعبان الماضي القريب بين ثمانية من الشباب العربي في جبال أفغانستان..

بين شباب تركوا هذه النعمة، وتركوا هذا الترف..

تركوا المراكب الضخمة، والمساكن الخلابة، وذهبوا بأنفسهم إلى الجبال الشاهقة، وإلى الحياة الحرجة، تحت أصوات المدافع، وبين طلقات الرصاص، ذهبوا هناك لما سمعوا قول نبيهم صلى الله عليه وسلم: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها» (7).

ذهبوا هناك لما سمعوا قول حبيبهم: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه أُجري عليه عمله الذي كان يعمل، وأُجري عليه رزقه، وأَمن الفتان» (8).

ذهبوا هناك لما سمعوا قول منقذ البشرية: «كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه يُنمى له عمله، ويؤمَّن فتنة القبر» (9) [حديث حسن].

وقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من مَكْلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمي لونه لون الدم، والريح ريح المسك» (10).

ذهبوا لما سمعوا: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض» (11).

ذهبوا لما سمعوا أنه «ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة»(12).

حبهم لأنفسهم أخرجهم من هذا النعيم الزائل إلى ذلك النعيم السرمدي بقول محبوبهم: «عينان لا تمسهما النار؛ عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» (13).

أيها المسلمون!

لما اشتبكت هذه الفئة القليلة التي تذكرنا بفئة رسول الله يوم بدر..

لما التقت بتلك الفئة العظيمة في العدد والعتاد، والذي يتمثل عتادهم كما قال لي أخي: إن ما معهم من الدبابات يصل إلى عشرين دبابة، وعدد من الجنود المليشيات، وثلاث طائرات، يقول: وقد كنا متوسطين جبلاً من جبال تلك الديار، وهمَّ الأعداء أن يحيطوا بنا من كل جانب، فأنطق الله قائدنا وأمرنا بأمر الله بأن ننقض عليهم، فواجهناهم بسلاحنا الضعيف، وبعددنا القليل، ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال:17]، فقتلنا من قتلنا منهم، وهرب من هرب، واستولينا على كثير من عتادهم، أما نحن فقد جرح بعضنا.

يقول: وإن من العجيب في الأمر أيضاً أن أحد الشباب ضرب ضربة قوية فأصابت بطنه حتى خرجت أمعاؤه، وانقطعت يده اليسرى فحملته مع بعض الشباب إلى مكان آمن، فلم يشعر بما أصابه من ذلك، وقد كان ينهاني من مس يده اليمنى، ويقول: أوجعتني، وأما خروج أمعائه فلم يشعر بها رحمة من الله وامتناناً.

ووقعة أخرى وقعت في شهر محرم، يحدثني بها أحد الشباب الذين حضروها، يقول: كنا مجموعة من الشباب تعبنا من مواجهة العدو في الجبهة، فأردنا أن نذهب إلى مركزنا لنستريح من عناء المواجهة قليلاً ثم نعود بعد ذلك، وفي رجعتنا واتجاهنا إلى مركزنا أقبلت طائرة من طائرات أعدائنا، وقد كانت تحمل معها قذائف عنقودية - من القذائف الممنوعة دولياً- وقد كنا في مكان بارز، فنحن نسير في طريق مسفلت في وسط صحراء مكشوفة، ليس فيها جبال ولا شجر، يقول: وإني لأقسم بالله أنهم يطلقون القذيفة نحونا فيصرفها الله عنا، فتبتعد عنا بمسافات، ثم تتفجر بعد ذلك.

الله أكبر!

سبحان من إذا قال للشيء كن فيكون.

هذه بعض الأخبار أسوقها ولا يتسع مقامنا لذكر أكثر منها، والمقصود هو الرجوع إلى الله ليرد الله إلينا عزنا ورفعتنا، فأسأل الله أن ينصر الإسلام والمسلمين.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الشرك والمشركين، اللهم انصر المجاهدين الذين أحييت بهم حياة الصحابة، اللهم انصرهم في سبيلك، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم قوهم وسددهم وأعنهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم خالف بين كلمة أعدائهم، وشتت شملهم، وأضعف قوتهم، وسلط عليهم الآفات المهلكة، والأمراض المستعصية، واجعل أموالهم وعتادهم غنائم للمسلمين يا رب العالمين، ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:169-171].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبي العالمين، وهادي البشرية أجمعين؛ محمد عليه وعلى آله وأصحابه أفضل الصلاة والتسليم،

أما بعد:

عباد الله!

اتقوا الله تعالى واذكروه، يقول الله سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:36-38].

معشر الصوام!

هناك سنة أميتت، أو كادت أن تموت، فأحيوها أحيى الله قلوبكم بالإيمان؛ إنها سنة الاعتكاف في المساجد، وهي سنة عظيمة رغب فيها حبيبنا صلى الله عليه وسلم، وقد كان لا يتركها في كل سنة من سنواته، تقول عائشة رضي الله عنها: «كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده» (14).

والاعتكاف هو: لزوم المسجد وعدم الخروج منه إلا لحاجة ماسة.

أخرج الطبراني والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من اعتكف يوماً ابتغاء وجه الله جعل الله بينه وبين النار ثلاث خنادق، كل خندق أبعد مما بين الخافقين» (15).

وفي حديث أبي هريرة قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً» (16).

فضاعف النبي صلى الله عليه وسلم مدة اعتكافه، كما ضاعف مدارسته للقرآن مع جبريل زيادة في الاجتهاد والطاعة بعد أن أُخبر بدنو الأجل، فجاهدوا أنفسكم على القيام بهذه السنة العظيمة، وفرغوا أنفسكم، وصفوا قلوبكم للتشبه بالملائكة، والتعرض لوجدان ليلة القدر التي جعلها الله خيراً من ألف شهر.

عباد الله!

صلوا وسلموا على خير عبادالله، فقد أمركم الله بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:56]، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة؛ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا..

اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعلهم آمرين بالمعروف فاعلين له.

اللهم أصلح شباب المسلمين..

اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك.

اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين.

اللهم اجعل من فوقنا نوراً، ومن تحتنا نوراً، وعن أيماننا نوراً، وعن شمائلنا نوراً ...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن أبي داود، باب في نفل السرية تخرج من العسكر (33/3) رقم (2749).

(2) مسند أحمد رقم (1023).

(3) مسند أحمد رقم (117).

(4) شاهت الوجوه: أي قبحت، ومنه رجل أشوه، وامرأة شوهاء، أي: قبيحةُ المنظر، جامع الأصول (8/399).

(5) المجالسة وجواهر العلم (8/176)، والمسند الجامع رقم (6974).

(6) سنن أبي داود، باب في تداعي الأمم على الإسلام (4/184) رقم (4229).

(7) صحيح البخاري، باب فضل رباط يوم في سبيل الله (3/1059)، رقم (2735).

(8) صحيح مسلم (3/1520)، رقم (1913).

(9) مسند أحمد (17396)، والمعجم الكبير للطبراني (15198)، وسنن الدارمي (2425).

(10) صحيح البخاري، باب المسك (5/)، رقم (5213).

(11) صحيح البخاري، باب درجات المجاهدين في سبيل الله (31028)، رقم (2637).

(12) صحيح البخاري، باب تمني المجاهد أن يرجع إلى الدنيا (3/1037)، رقم (2662)، وصحيح مسلم، باب فضل الشهادة في سبيل الله (3/1498)، رقم (18777).

(13) الجهاد لابن أبي عاصم، فضل حرس المسلمين (146)، والزهد لأحمد بن حنبل (ص 368).

(14) صحيح البخاري، باب الاعتكاف في العشر الأواخر(2/713)، رقم (1922)، وصحيح مسلم، باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان (2/830)، رقم (11722).

(15) المعجم الأوسط (7/220)، رقم (7326)، وقال: "لم يرو هذا الحديث عن عبد العزيز بن أبي داود إلا بشر بن سلم البجلي تفرد به ابنه".

(16) صحيح البخاري، باب الاعتكاف في العشر الأوسط من رمضان (2/719)، رقم (1939).


تعليقات
0
لا يوجد تعليقات
أهمية تربية الأبناء
أهمية تربية الأبناء

أهمية تربية الأبناء للشيخ/ محمد بن سليمان المحيسني الخطبة الأولى: وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الوهاب, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل الخلق بلا ارتياب, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم المئاب, وسَلَّم تسليماً. أما بعد: أيها الناس! اتقوا الله تعالى واشكروه على ما أنعم به عليكم من نعمة الأولاد, واعلموا أن هذه النعمة فتنة للعبد واختبار, فإما منحة تكون قرة عين في الدنيا والآخرة, وسروراً في القلب, وانبساطاً للنفس, وعوناً على مكابد الدنيا, وصلاحاً يحدوهم من البر في الحياة وبعد الممات, واجتماعاً في الدنيا على طاعة الله, واجتماعاً في الآخرة في دار كرامته, يقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا و.....

أهمية تربية الأبناء

أهمية تربية الأبناء

للشيخ/ محمد بن سليمان المحيسني

الخطبة الأولى:

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الوهاب, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل الخلق بلا ارتياب, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم المئاب, وسَلَّم تسليماً.

أما بعد:

أيها الناس!

اتقوا الله تعالى واشكروه على ما أنعم به عليكم من نعمة الأولاد, واعلموا أن هذه النعمة فتنة للعبد واختبار, فإما منحة تكون قرة عين في الدنيا والآخرة, وسروراً في القلب, وانبساطاً للنفس, وعوناً على مكابد الدنيا, وصلاحاً يحدوهم من البر في الحياة وبعد الممات, واجتماعاً في الدنيا على طاعة الله, واجتماعاً في الآخرة في دار كرامته, يقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾[الطور:21].

والغالب أن الولد لا يكون مُنحَة حتى يقوم الوالد بما يجب عليه من رعاية وعناية, وتربية صالحة, وقد يكون الأبناء محنة وعناء, وشقاء وشؤماً على أهلهم ومجتمعهم, وذلك فيمن لم يقم بما أوجبه الله عليه, وأضاع حق الله فيهم.

أيها الناس!

يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾[التحريم:6].

روى ابن جرير عن ابن عباس في معنى الآية: «اعملوا بطاعة الله, واتقوا معاصي الله, ومروا أولادكم بامتثال الأوامر واجتناب النواهي»( ).

وعن علي قال في معناها: «علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم»( ).

عباد الله!

إن مهمة الأولاد مهمة عظيمة, يجب على الآباء أن يحسبوا لها حسابها, ويعدوا لها عدتها, خصوصاً في هذا الزمان, الذي تلاطمت فيه أمواج الفتن, واشتدت غُربة الدين, وكثرت فيه دواعي الفساد, حتى صار الأب مع أولاده بمثابة راعي الغنم في أرض السِّبَاع الضارية, إن غفل عنها أكلتها الذئاب.

ولقد حَمَّل الإسلام الآباء والأمهات مسؤولية كبرى في تربية الأبناء, وإعدادهم الإعداد الكامل لحمل أعباء الحياة, وتهددهم بالعذاب الأكبر إذا هم فرطوا وقصروا وخانوا, يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته, والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها»( ), ويقول صلى الله عليه وسلم: «أدبوا أولادكم وأحسنوا أدبهم»( ), رواه ابن ماجه.

أيها الناس!

إن عناية الإسلام بتربية الأولاد واستصلاحهم تبدوا واضحة في وقت مبكر, حيث يُشرع للزوج أن يختار الزوجة الصالحة, ذات الدين والأخلاق الفاضلة؛ لأنها بمنزلة التُّربة التي تُلقى فيها البذور, ولأنها ستكون عوناً للأب على تربيتهم, ثم شرع الإسلام للزوج عند اتصاله بزوجته أن يدعو فيقول: «بسم الله, اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا»( ), فإذا رُزق المولود استُحب له الأذان في أذنه اليمنى( ), كما وردت بذلك الأحاديث. كل ذلك مما يدل على حرص الإسلام وعنايته على تربية النشء تربية صالحة.

إخوتي في الله!

إن على كل واحد منا أن يراقب أهله وأولاده, في حركاتهم وسكناتهم, في ذهابهم وإيابهم, في أصحابهم وأخلائهم؛ حتى يكون على بصيرة من أمرهم, فَيُقِر ما يراه من ذلك صالحاً, وينكر ما يراه فاسداً.

أيها المسلمون!

إذا لم يقم الإنسان على مراقبة أهله وأولاده بنفسه, فمن الذي يراقبهم؟ هل يراقبهم أباعد الناس ومن لا صلة له فيهم؟ أو يترك هؤلاء الأولاد والأغصان الغَضَّة, تعصف بها رياح الأفكار المضلِّلَة, والاتجاهات المنحرفة, والأخلاق الهدَّامة, فينشأ ولداً فاسداً, لا يرعى لله ولا للناس حُرمة ولا حقاً. متحرراً من كل رِقٍّ إلا من رق الشيطان, منطلقاً من كل قيد إلا من قيد الشهوة والطغيان, نعم, لا بد أن تكون هذه نتيجة الإهمال, إلا أن يشأ الله.

أيها الإخوة في الله!

لقد ضل أقوام اعتنوا بتنمية أموالهم ورعايتها وصيانتها وحفظها, فأشغلوا أفكارهم وأبدانهم, وانشغلوا بها عن راحتهم, ثم نسوا بسببها أهليهم وأولادهم, وما هي قيمة هذه الأموال بالنسبة للأهل والأولاد؟ أليس من الجدير بهؤلاء أن يخصصوا شيئاً من أوقاتهم للجلوس مع أولادهم؛ حتى يكونوا بذلك شاكرين لله, ممتثلين لأمره؛ لأن الله جعل لهم الولاية, وحَمَّلهم المسؤولية؟ فأمر الله أرباب الأسر أن يقوا وأنفسهم وأهليهم النار.

والعجب من هؤلاء المضيعين لأمر الله في حق أولادهم؛ أن نار الدنيا لو أصابت طرفاً من ولده أو كادت أن تصيبه لسعى بكل ما يستطيعه من قوة ومال لدفعها, ولهرع لكل طبيب لمعالجتها من حَرَقها, فلماذا لا يحاول الآباء أن يخلصوا أولادهم من نار الآخرة؟

عباد الله!

إن كثيراً من الآباء يهملون تربية أولادهم في السنين الأُول, التي فيها يتقبل الولد كل واردة وشاردة, كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: «كل مولود يولد على الفطرة, فأبواه يهودانه, أو ينصرانه, أو يمجسانه»( ) رواه البخاري.

فالشاهد من سياق هذا الحديث: سرعة تَقَبُّل المولود, وأن الوالد في السنين الأولى يستطيع السيطرة عليه, ويستطيع إدخال كل ما يستحسن من قول وفعل في قلب هذا النشء الجديد, ولذلك نسمع من الآباء, الذين تساهلوا بأولادهم في صِغَرهم, يعتذرون بأعذار واهية, فمنهم من يقول معتذراً: أنا لا أستطيع تربيتهم, إنهم كبروا وتمردوا علي, إنهم يخالفون أمري, ولا يسمعون كلامي, والجواب على هذا العذر, يقال فيه: إنك أنت السبب في إسقاط هيبتك من نفوسهم؛ لأنك أضعت أمر الله في أول أمرهم, فتركتهم يتصرفون كما يشاؤون, لا تأنس بالاجتماع معهم, ولا تشاركهم في غدائهم وعشائهم, وإن شاركتهم فبجسمك فقط, وأما نفسك فمليئة بالهموم والمشاغل, وقلبك يجول في حطام الدنيا, وبدنك متعب مرهق, تصب عليهم الويلات, لو تأخروا عن تقديم الغداء أو العشاء؛ لأنك تريد المبادرة إلى الراحة مما بك من عناء.

معشر الآباء!

ليست تربية الأبناء مقصورة على التربية الجسمية, من توفير الطعام والشراب والكسوة والمسكن, أو إعطائهم متطلباتهم التكميلية, وإنما هذه الخصال جزء يسير مما على عاتقك من المسؤولية, إذ أن التربية الحقيقية هي التربية على الدين والأخلاق, المحافظة على فطرتهم عن التغير والفساد.

عباد الله!

إن المسلم ليتقطع قلبه أسىً وحزناً وقهراً, عندما يرى الغِلمان الصغار الذين لم يبلغوا الحُلُم يخالطون الذئاب البشرية من الشباب الفاسق, الذي نشأ على الفسق وتربى عليه, فيجلسون سوياً على جنبات الطرق, وعلى... ويتجولون معاً بسياراتهم في الطرقات, إن المشاهِد لهذا المنظر لَيُسَائل نفسه ويقف حيراناً, أين آباؤهم؟ أين إخوانهم؟ أين من حَمَّلهم الله مسؤوليتهم؟ ثم يقف المسلم مع نفسه مرة أخرى, عندما يرى الشباب يلعبون الكرة طيلة يومهم, من بعد صلاة العصر حتى ساعة متأخرة من الليل, فالمشاهِد لهذه الحالة يتفكر هل آباؤهم أحياء؟ وإذا كانوا أحياء فهل هم موجودون في بيوتهم؟ وإذا كانوا موجودين في بيوتهم فهل هم يعلمون أين أبنائهم؟ وإذا كانوا يعلمون أن أبنائهم خارج المنزل إلى تلك الساعة, فكيف يتركون فلذات أكبادهم, وثمرات قلوبهم فريسة لكل مفترس؟ ألا يشعرون بالمسؤولية؟ ألا يخافون الله في مَن ولاهم الله أمرهم؟

وإن مما يزيد الطين بَلَّة, ويوقد في القلب نار الغضب لمن في قلبه غيرة على أبناء المسلمين, ما يفعله بعض الآباء, فإن منهم من يُغدق على ولده العطاء, ويمده بالمال الذي يتمكن به من شهواته, ويزعم أنه يكرمهم بذلك, وهو قد أهانه, ويزعم أنه قد رحمه, وهو قد ظلمه. وبعضهم يُسارع في تلبية طلب ابنه أياً كان الابن صالحاً أو فاجراً, ومهما كان طلبه, فقد يطلب الابن سيارة, قد اختص المراهقون والسفلة من الشباب بها, فما إن تطلع شمس الغد حتى يحضر له تلك السيارة التي أرادها, ومن ثم يستخدمها هذا الولد لأغراضه السيئة, ويتمكن بها من الوصول إلى المجامع الفاسدة.

يا من هذه تربيتهم, إذا كنتم تظنون أن هذه هي التربية الإسلامية, فاعلموا أن هذه تُعتبر في نظر أهل التربية من أهل العلم والمعرفة تربية بَهيمية حيوانية. واعلموا أن للولد حقٌ على أبيه, كما أن للوالد حق على ولده, قال بعض العلماء: إن الله يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة, قبل أن يسأل الولد عن والده, قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ..﴾[النساء:11], فمن أهمل بتعليم ولده ما ينفعه.. فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سُدَى, فقد أساء إليه غاية الإساءة, وأهانه غاية الإهانة, وسيندم المهمل حين لا ينفع الندم, عاتب بعض الآباء ولده على العقوق, فقال: يا أبَتِ, إنك عققتني صغيراً فعققتك كبيراً, وأضعتني وليداً فأضعتك شيخاً كبيراً.

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين, ولا عدوان إلا على الظالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أيها المسلمون!

اتقوا الله تعالى في أنفسكم وأولادكم, واعلموا أن هناك عوامل وأسباب تؤدي إلى انحراف أبنائكم, وإلى زيغهم, وفساد أخلاقهم, فإذا لم يكن المربون على مستوى المسؤولية والأمانة, وعلى علم بأسباب الانحراف وبواعثه, وعلى بصيرة بأخذ أسباب العلاج, وطرق الوقاية, فإن الأولاد لا شك سيقعون في... الضياع والشقاء, وعُصبة الفساد والجريمة, لذا فإن الكلام سيكون عن طرق التربية الإسلامية, وإن من الطرق التي نود ذكرها وتوضيحها هي:

تهيئة الجو المناسب للأولاد, من حيث حرية السؤال والمناقشة, ومساعدة الأب والأم في الإجابة عن السؤال, والملحوظ أن بعض الناس يخالف ذلك تماماً, فالطفل في أكثر الأسر لا قيمة له, إذا قال لم يستمعوا لكلامه, وإذا سأل وَبَّخوه وأنَّبوه, وإذا أراد الدخول إلى المجلس طردوه, وإن كان ي المجلس مُتَّسع, ففي هذا الجو الخانق الكئيب يعيش الطفل كالأسير.

ومن طرق التربية: جلوس الأب مع أولاده, فما أحسن الأب! وما أجمل الأم! حين يقضيان جلستهما عند المساء أو غيره مع أولادهما, بل ما أعظم أجرهما عند الله حين يجلسان مع الأولاد لسماع درس يحفظونه, أو تفهيم مسألة يكتبونها, أو إثارة مداعبة أو ممازحة يمرحون ويأنسون بها, ويحسون من خلالها بقدر الأُبُوة.

وكم يكون الأب ظالماً للولد, مستهتراً في حقه, قاتلاً لإنسانيته, حين يقضي أوقات فراغه في سهرة عابسة أو تجارة...؟

ومن طرقها: اتباع أسلوب التشجيع بالكلمة الطيبة حيناً, وبمنح الهدايا أحياناً, وانتهاج أسلوب الترغيب تارة, واستعمال طريقة الترهيب تارة أخرى.

ومن طرقها: ربط الولد بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته, يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: «كنا نعلم أولادنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعلمهم السورة من القرآن», وما ذاك إلا ليتصف الولد بصفات الكمال, ويشب على خلق الشجاعة والإقدام, ولئلا يعرف قائداً وقدوة وزعيماً سوى النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ومن طرقها: تحفيظ كتاب الله سبحانه, والاعتناء به؛ لأن من يحفظ القرآن في سن مبكرة تنطبع أخلاقه بأخلاق القرآن, وهذه الطريقة أصبحت ولله الحمد يسيرة على المربين في هذه البلاد؛ لأن الجماعات الخيرية لتحفيظ كتاب الله قد انتشرت وبانت ثمارها, وظهرت نتائجها, فما على الأب إلا أن يلحق ابنه بإحدى حِلَق القرآن, ويعمل على تشجيعه وبذل المكافئات له.

ومن طرقها: استتارك بما ابتليت به من معصية, وخاصة شرب الدخان, ومن المؤسف جداً أن ممن حُمِّلوا مسؤولية التربية لم يكتفوا... بل ساعدوا على... من ذلك ما يفعله بعض من ابتلاهم الله بشرب الدخان, فإن منهم من يشربه أمام زوجته وأبنائه, وبعضهم لا يكتفي بهذا, بل يرسل أبنائه لشراء دُخَّانه, ولإحضار ما يحتاجه لشرب الدخان, ناسياً أنه ارتكب بفعلته هذه جرائم عديدة, منها: معصية الله ورسوله, ومنها تعويده لهذا الولد البريء, وتحسين شرب الدخان عنده, ومنها أمره لأبنائه بشرائه, فإن هذا أمر معصية, فإن أجابوك لهذا فقد عصوا الله بسببك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»( ),... قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾[الصف:2، 3].

ومن طرقها: الاهتمام والتركيز على الولد الأكبر؛ لأن التركيز على إصلاحه من أبرز المؤثرات في إصلاح بقية الأولاد, ولأن الولد الصغير عادة يحاكي ويقلد ما يفعله الأكبر؛ لأنه ينظر إليه أنه المثل الأعلى في كل شيء, فإذا وجد من يكبره سناً في تميع وانحلال, وإذا رأى من وُلد قبله يتقلب في متاهات الرذيلة والفساد, فلا شك أن أولاده به يتأثرون, وعنه يأخذون.

ومن طرقها: حماية الولد من الآثار السيئة لوسائل الإعلام التي تؤدي إلى انحراف الولد, وتدفعه إلى الشقاوة وارتكاب الجريمة, والسير وراء الميوعة والانحلال, وإن هذه الطريقة قد تساهل بها بعض الآباء, وتمادوا في تركها, وإن مشاهدة الولد للروايات البوليسية, والأفلام الخلاعية, وقراءته للمجلات الماجنة, والقصص الغرامية, لتشجعه على الانحراف والإجرام؛ لأن مثل هذه الأمور تُفسد أخلاق الكبار فضلاً عن المراهقين والأطفال الصغار. وقد ظهر هذا واضحاً جلياً في مظاهر بعض الشباب, الذين انخرطوا في هذا التيار.

ومن طرقها: أمرهم بالصلاة لسبع, وترغيبهم وحثهم عليها, ولا فرق في ذلك بين صلاة الفجر وبقية الصلوات, حيث أن بعضهم يتفقد ويأمر أبنائه في جميع الصلوات, وأما صلاة الفجر فكأنه لم يُطَالَب بها, وكأنها لم تُكتَب عليه, وإن الأولى للولي أن يهتم بتعويده صلاة الفجر؛ لأنها هي التي تشق على النفوس, وهي التي تحتاج إلى مجاهدة وعناء, فإذا اعتاد الابن على صلاة الفجر منذ الصغر استطاع بإذن الله أن يداوم عليها في الكِبَر.

ولقد أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بذلك, فقال: «مروا أبنائكم بالصلاة لسبع, واضربوهم عليها لعشر, وفرقوا بينهم في المضاجع»( ) رواه أبو داود.

وشروط الضرب: أن لا يلجأ إليه إلا بعد استنفاد جميع الوسائل التأديبية, وأن لا يضرب في الأماكن المؤذية؛ كالرأس, والوجه, والصدر, وأن يضربه بنفسه, ولا يتركه لأحد من إخوته, حتى لا تتأجج بينهم نيران الأحقاد والمنازعات.

ومن طرقها: اختيار الرفيق الصالح, واختيار المدرسة التي تطمئن فيها على سلوك ولدك, فإن الولد الذي يُترك لقرناء السوء ورفقاء الفساد يتلقن منهم اللعن والسب والشتم, ويكتسب منهم أقبح العادات والأخلاق, وينشأ على أسوء ما يكون من التربية الفاسدة, لذلك كان السلف يحرصون على هذه الخصلة؛ لأنها من أهم الخصال, فكانوا يختارون لأبنائهم المربين الناصحين, فهذا هشام ابن عبد الملك يقول لمؤدب ولده: إن ابني هذا هو جلدة ما بين عيني, وقد وليتك تأديبه, فعليك بتقوى الله, وَأَدِّ الأمانة, وأول ما أوصيك به: أن تأخذه بكتاب الله, ثم رَوِّه من الشعر أحسنه, ثم تخلل به في أحياء العرب, فخذ من صالح شعرهم, وبَصِّره طرفاً من الحلال والحرام, والخُطَب والمغازي( ).

وهذا عبد الملك بن مروان ينصح المؤدب, فيقول له: علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن, واحملهم على الأخلاق الجميلة, وجالس بهم أشراف الرجال, واضربهم على الكذب, فإن الكذب يهدي إلى الفجور, وإن الفجور يدعو إلى النار.

أيها المسلمون!

إن ما ذكرناه يُعتبر غيض من فيض, وإن مما عندكم أكثر مما سمعتموه, والمقصود أن يقوم المسلم على قدم وساق, لتربية من وُكِل إليه, حتى يُعذر عند الله؛ لأنك إذا عملت الأسباب لتربية ولدك, ثم لم يرد الله له هداية..

.. وسلم على عبدك ورسولك محمد, وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة, أبي بكر, وعمر, وعثمان, وعلي, وعن سائر الصحابة أجمعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم أصلح شباب المسلمين, اللهم رد ضالهم إليك رداً جميلاً, برحمتك يا أرحم الراحمين, اللهم قُرَّ عيوننا بصلاح آبائنا وأبنائنا, وبناتنا وأزواجنا, وإخواننا وأخواتنا, اللهم أعز الإسلام والمسلمين, واخذل الشرك والمشركين, اللهم أصلح ولاة أمورنا..

 


تعليقات
0
لا يوجد تعليقات
المقاﻻت المقروءه
مكتبة الكتب
إستمع لتلاوات الشيخ
Telawat Audio Player demo
تصفح موقع الشيخ بمختلف لغات العالم
Mohamed Almohisini
language icon
خدمة تعليم القرآن للصم والبكم
موسسة المحيسني الخيرية
Mohamed Almohisin
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي
تابعنا قناة الشيخ على موقع تليجرام