about sheikh
عن محمد بن سليمان المحيسني

كانت بداية إمامة الشيخ ليلة 28 من عام1399هـ وعمره آنذاك 14 سنة بجامع العجيبة بالرياض ثم أمّ الناس بمسجد العباس عامي 1400هـ و 1401هـ بالرياض ثم انتقل إلى بريدة لطلب العلم ومساعدة والده في التجارة عام1402هـ ثم أمّ الناس في رمضان بمسجد العنّاز ببريدة ( شارع الصناعة ) عام1402هـ

أحدث التسجيلات

غافربصوت الشيخ محمد بن سليمان المحيسني

الزمربصوت الشيخ محمد بن سليمان المحيسني

صبصوت الشيخ محمد بن سليمان المحيسني

الصافاتبصوت الشيخ محمد بن سليمان المحيسني

يسبصوت الشيخ محمد بن سليمان المحيسني

فاطربصوت الشيخ محمد بن سليمان المحيسني

أحدث الفيديوهات
تطبيقات المحيسني

قريبا تطبيق المحيسني للقرآن الكريم
قريبا مؤسسة المحيسني الخيرية
al mohisini apps.
الخطب المقروءه
أهمية تربية الأبناء
أهمية تربية الأبناء

أهمية تربية الأبناء للشيخ/ محمد بن سليمان المحيسني الخطبة الأولى: وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الوهاب, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل الخلق بلا ارتياب, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم المئاب, وسَلَّم تسليماً. أما بعد: أيها الناس! اتقوا الله تعالى واشكروه على ما أنعم به عليكم من نعمة الأولاد, واعلموا أن هذه النعمة فتنة للعبد واختبار, فإما منحة تكون قرة عين في الدنيا والآخرة, وسروراً في القلب, وانبساطاً للنفس, وعوناً على مكابد الدنيا, وصلاحاً يحدوهم من البر في الحياة وبعد الممات, واجتماعاً في الدنيا على طاعة الله, واجتماعاً في الآخرة في دار كرامته, يقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا و.....

أهمية تربية الأبناء

أهمية تربية الأبناء

للشيخ/ محمد بن سليمان المحيسني

الخطبة الأولى:

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الوهاب, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل الخلق بلا ارتياب, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم المئاب, وسَلَّم تسليماً.

أما بعد:

أيها الناس!

اتقوا الله تعالى واشكروه على ما أنعم به عليكم من نعمة الأولاد, واعلموا أن هذه النعمة فتنة للعبد واختبار, فإما منحة تكون قرة عين في الدنيا والآخرة, وسروراً في القلب, وانبساطاً للنفس, وعوناً على مكابد الدنيا, وصلاحاً يحدوهم من البر في الحياة وبعد الممات, واجتماعاً في الدنيا على طاعة الله, واجتماعاً في الآخرة في دار كرامته, يقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾[الطور:21].

والغالب أن الولد لا يكون مُنحَة حتى يقوم الوالد بما يجب عليه من رعاية وعناية, وتربية صالحة, وقد يكون الأبناء محنة وعناء, وشقاء وشؤماً على أهلهم ومجتمعهم, وذلك فيمن لم يقم بما أوجبه الله عليه, وأضاع حق الله فيهم.

أيها الناس!

يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾[التحريم:6].

روى ابن جرير عن ابن عباس في معنى الآية: «اعملوا بطاعة الله, واتقوا معاصي الله, ومروا أولادكم بامتثال الأوامر واجتناب النواهي»( ).

وعن علي قال في معناها: «علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم»( ).

عباد الله!

إن مهمة الأولاد مهمة عظيمة, يجب على الآباء أن يحسبوا لها حسابها, ويعدوا لها عدتها, خصوصاً في هذا الزمان, الذي تلاطمت فيه أمواج الفتن, واشتدت غُربة الدين, وكثرت فيه دواعي الفساد, حتى صار الأب مع أولاده بمثابة راعي الغنم في أرض السِّبَاع الضارية, إن غفل عنها أكلتها الذئاب.

ولقد حَمَّل الإسلام الآباء والأمهات مسؤولية كبرى في تربية الأبناء, وإعدادهم الإعداد الكامل لحمل أعباء الحياة, وتهددهم بالعذاب الأكبر إذا هم فرطوا وقصروا وخانوا, يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته, والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها»( ), ويقول صلى الله عليه وسلم: «أدبوا أولادكم وأحسنوا أدبهم»( ), رواه ابن ماجه.

أيها الناس!

إن عناية الإسلام بتربية الأولاد واستصلاحهم تبدوا واضحة في وقت مبكر, حيث يُشرع للزوج أن يختار الزوجة الصالحة, ذات الدين والأخلاق الفاضلة؛ لأنها بمنزلة التُّربة التي تُلقى فيها البذور, ولأنها ستكون عوناً للأب على تربيتهم, ثم شرع الإسلام للزوج عند اتصاله بزوجته أن يدعو فيقول: «بسم الله, اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا»( ), فإذا رُزق المولود استُحب له الأذان في أذنه اليمنى( ), كما وردت بذلك الأحاديث. كل ذلك مما يدل على حرص الإسلام وعنايته على تربية النشء تربية صالحة.

إخوتي في الله!

إن على كل واحد منا أن يراقب أهله وأولاده, في حركاتهم وسكناتهم, في ذهابهم وإيابهم, في أصحابهم وأخلائهم؛ حتى يكون على بصيرة من أمرهم, فَيُقِر ما يراه من ذلك صالحاً, وينكر ما يراه فاسداً.

أيها المسلمون!

إذا لم يقم الإنسان على مراقبة أهله وأولاده بنفسه, فمن الذي يراقبهم؟ هل يراقبهم أباعد الناس ومن لا صلة له فيهم؟ أو يترك هؤلاء الأولاد والأغصان الغَضَّة, تعصف بها رياح الأفكار المضلِّلَة, والاتجاهات المنحرفة, والأخلاق الهدَّامة, فينشأ ولداً فاسداً, لا يرعى لله ولا للناس حُرمة ولا حقاً. متحرراً من كل رِقٍّ إلا من رق الشيطان, منطلقاً من كل قيد إلا من قيد الشهوة والطغيان, نعم, لا بد أن تكون هذه نتيجة الإهمال, إلا أن يشأ الله.

أيها الإخوة في الله!

لقد ضل أقوام اعتنوا بتنمية أموالهم ورعايتها وصيانتها وحفظها, فأشغلوا أفكارهم وأبدانهم, وانشغلوا بها عن راحتهم, ثم نسوا بسببها أهليهم وأولادهم, وما هي قيمة هذه الأموال بالنسبة للأهل والأولاد؟ أليس من الجدير بهؤلاء أن يخصصوا شيئاً من أوقاتهم للجلوس مع أولادهم؛ حتى يكونوا بذلك شاكرين لله, ممتثلين لأمره؛ لأن الله جعل لهم الولاية, وحَمَّلهم المسؤولية؟ فأمر الله أرباب الأسر أن يقوا وأنفسهم وأهليهم النار.

والعجب من هؤلاء المضيعين لأمر الله في حق أولادهم؛ أن نار الدنيا لو أصابت طرفاً من ولده أو كادت أن تصيبه لسعى بكل ما يستطيعه من قوة ومال لدفعها, ولهرع لكل طبيب لمعالجتها من حَرَقها, فلماذا لا يحاول الآباء أن يخلصوا أولادهم من نار الآخرة؟

عباد الله!

إن كثيراً من الآباء يهملون تربية أولادهم في السنين الأُول, التي فيها يتقبل الولد كل واردة وشاردة, كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: «كل مولود يولد على الفطرة, فأبواه يهودانه, أو ينصرانه, أو يمجسانه»( ) رواه البخاري.

فالشاهد من سياق هذا الحديث: سرعة تَقَبُّل المولود, وأن الوالد في السنين الأولى يستطيع السيطرة عليه, ويستطيع إدخال كل ما يستحسن من قول وفعل في قلب هذا النشء الجديد, ولذلك نسمع من الآباء, الذين تساهلوا بأولادهم في صِغَرهم, يعتذرون بأعذار واهية, فمنهم من يقول معتذراً: أنا لا أستطيع تربيتهم, إنهم كبروا وتمردوا علي, إنهم يخالفون أمري, ولا يسمعون كلامي, والجواب على هذا العذر, يقال فيه: إنك أنت السبب في إسقاط هيبتك من نفوسهم؛ لأنك أضعت أمر الله في أول أمرهم, فتركتهم يتصرفون كما يشاؤون, لا تأنس بالاجتماع معهم, ولا تشاركهم في غدائهم وعشائهم, وإن شاركتهم فبجسمك فقط, وأما نفسك فمليئة بالهموم والمشاغل, وقلبك يجول في حطام الدنيا, وبدنك متعب مرهق, تصب عليهم الويلات, لو تأخروا عن تقديم الغداء أو العشاء؛ لأنك تريد المبادرة إلى الراحة مما بك من عناء.

معشر الآباء!

ليست تربية الأبناء مقصورة على التربية الجسمية, من توفير الطعام والشراب والكسوة والمسكن, أو إعطائهم متطلباتهم التكميلية, وإنما هذه الخصال جزء يسير مما على عاتقك من المسؤولية, إذ أن التربية الحقيقية هي التربية على الدين والأخلاق, المحافظة على فطرتهم عن التغير والفساد.

عباد الله!

إن المسلم ليتقطع قلبه أسىً وحزناً وقهراً, عندما يرى الغِلمان الصغار الذين لم يبلغوا الحُلُم يخالطون الذئاب البشرية من الشباب الفاسق, الذي نشأ على الفسق وتربى عليه, فيجلسون سوياً على جنبات الطرق, وعلى... ويتجولون معاً بسياراتهم في الطرقات, إن المشاهِد لهذا المنظر لَيُسَائل نفسه ويقف حيراناً, أين آباؤهم؟ أين إخوانهم؟ أين من حَمَّلهم الله مسؤوليتهم؟ ثم يقف المسلم مع نفسه مرة أخرى, عندما يرى الشباب يلعبون الكرة طيلة يومهم, من بعد صلاة العصر حتى ساعة متأخرة من الليل, فالمشاهِد لهذه الحالة يتفكر هل آباؤهم أحياء؟ وإذا كانوا أحياء فهل هم موجودون في بيوتهم؟ وإذا كانوا موجودين في بيوتهم فهل هم يعلمون أين أبنائهم؟ وإذا كانوا يعلمون أن أبنائهم خارج المنزل إلى تلك الساعة, فكيف يتركون فلذات أكبادهم, وثمرات قلوبهم فريسة لكل مفترس؟ ألا يشعرون بالمسؤولية؟ ألا يخافون الله في مَن ولاهم الله أمرهم؟

وإن مما يزيد الطين بَلَّة, ويوقد في القلب نار الغضب لمن في قلبه غيرة على أبناء المسلمين, ما يفعله بعض الآباء, فإن منهم من يُغدق على ولده العطاء, ويمده بالمال الذي يتمكن به من شهواته, ويزعم أنه يكرمهم بذلك, وهو قد أهانه, ويزعم أنه قد رحمه, وهو قد ظلمه. وبعضهم يُسارع في تلبية طلب ابنه أياً كان الابن صالحاً أو فاجراً, ومهما كان طلبه, فقد يطلب الابن سيارة, قد اختص المراهقون والسفلة من الشباب بها, فما إن تطلع شمس الغد حتى يحضر له تلك السيارة التي أرادها, ومن ثم يستخدمها هذا الولد لأغراضه السيئة, ويتمكن بها من الوصول إلى المجامع الفاسدة.

يا من هذه تربيتهم, إذا كنتم تظنون أن هذه هي التربية الإسلامية, فاعلموا أن هذه تُعتبر في نظر أهل التربية من أهل العلم والمعرفة تربية بَهيمية حيوانية. واعلموا أن للولد حقٌ على أبيه, كما أن للوالد حق على ولده, قال بعض العلماء: إن الله يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة, قبل أن يسأل الولد عن والده, قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ..﴾[النساء:11], فمن أهمل بتعليم ولده ما ينفعه.. فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سُدَى, فقد أساء إليه غاية الإساءة, وأهانه غاية الإهانة, وسيندم المهمل حين لا ينفع الندم, عاتب بعض الآباء ولده على العقوق, فقال: يا أبَتِ, إنك عققتني صغيراً فعققتك كبيراً, وأضعتني وليداً فأضعتك شيخاً كبيراً.

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين, ولا عدوان إلا على الظالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أيها المسلمون!

اتقوا الله تعالى في أنفسكم وأولادكم, واعلموا أن هناك عوامل وأسباب تؤدي إلى انحراف أبنائكم, وإلى زيغهم, وفساد أخلاقهم, فإذا لم يكن المربون على مستوى المسؤولية والأمانة, وعلى علم بأسباب الانحراف وبواعثه, وعلى بصيرة بأخذ أسباب العلاج, وطرق الوقاية, فإن الأولاد لا شك سيقعون في... الضياع والشقاء, وعُصبة الفساد والجريمة, لذا فإن الكلام سيكون عن طرق التربية الإسلامية, وإن من الطرق التي نود ذكرها وتوضيحها هي:

تهيئة الجو المناسب للأولاد, من حيث حرية السؤال والمناقشة, ومساعدة الأب والأم في الإجابة عن السؤال, والملحوظ أن بعض الناس يخالف ذلك تماماً, فالطفل في أكثر الأسر لا قيمة له, إذا قال لم يستمعوا لكلامه, وإذا سأل وَبَّخوه وأنَّبوه, وإذا أراد الدخول إلى المجلس طردوه, وإن كان ي المجلس مُتَّسع, ففي هذا الجو الخانق الكئيب يعيش الطفل كالأسير.

ومن طرق التربية: جلوس الأب مع أولاده, فما أحسن الأب! وما أجمل الأم! حين يقضيان جلستهما عند المساء أو غيره مع أولادهما, بل ما أعظم أجرهما عند الله حين يجلسان مع الأولاد لسماع درس يحفظونه, أو تفهيم مسألة يكتبونها, أو إثارة مداعبة أو ممازحة يمرحون ويأنسون بها, ويحسون من خلالها بقدر الأُبُوة.

وكم يكون الأب ظالماً للولد, مستهتراً في حقه, قاتلاً لإنسانيته, حين يقضي أوقات فراغه في سهرة عابسة أو تجارة...؟

ومن طرقها: اتباع أسلوب التشجيع بالكلمة الطيبة حيناً, وبمنح الهدايا أحياناً, وانتهاج أسلوب الترغيب تارة, واستعمال طريقة الترهيب تارة أخرى.

ومن طرقها: ربط الولد بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته, يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: «كنا نعلم أولادنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعلمهم السورة من القرآن», وما ذاك إلا ليتصف الولد بصفات الكمال, ويشب على خلق الشجاعة والإقدام, ولئلا يعرف قائداً وقدوة وزعيماً سوى النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ومن طرقها: تحفيظ كتاب الله سبحانه, والاعتناء به؛ لأن من يحفظ القرآن في سن مبكرة تنطبع أخلاقه بأخلاق القرآن, وهذه الطريقة أصبحت ولله الحمد يسيرة على المربين في هذه البلاد؛ لأن الجماعات الخيرية لتحفيظ كتاب الله قد انتشرت وبانت ثمارها, وظهرت نتائجها, فما على الأب إلا أن يلحق ابنه بإحدى حِلَق القرآن, ويعمل على تشجيعه وبذل المكافئات له.

ومن طرقها: استتارك بما ابتليت به من معصية, وخاصة شرب الدخان, ومن المؤسف جداً أن ممن حُمِّلوا مسؤولية التربية لم يكتفوا... بل ساعدوا على... من ذلك ما يفعله بعض من ابتلاهم الله بشرب الدخان, فإن منهم من يشربه أمام زوجته وأبنائه, وبعضهم لا يكتفي بهذا, بل يرسل أبنائه لشراء دُخَّانه, ولإحضار ما يحتاجه لشرب الدخان, ناسياً أنه ارتكب بفعلته هذه جرائم عديدة, منها: معصية الله ورسوله, ومنها تعويده لهذا الولد البريء, وتحسين شرب الدخان عنده, ومنها أمره لأبنائه بشرائه, فإن هذا أمر معصية, فإن أجابوك لهذا فقد عصوا الله بسببك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»( ),... قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾[الصف:2، 3].

ومن طرقها: الاهتمام والتركيز على الولد الأكبر؛ لأن التركيز على إصلاحه من أبرز المؤثرات في إصلاح بقية الأولاد, ولأن الولد الصغير عادة يحاكي ويقلد ما يفعله الأكبر؛ لأنه ينظر إليه أنه المثل الأعلى في كل شيء, فإذا وجد من يكبره سناً في تميع وانحلال, وإذا رأى من وُلد قبله يتقلب في متاهات الرذيلة والفساد, فلا شك أن أولاده به يتأثرون, وعنه يأخذون.

ومن طرقها: حماية الولد من الآثار السيئة لوسائل الإعلام التي تؤدي إلى انحراف الولد, وتدفعه إلى الشقاوة وارتكاب الجريمة, والسير وراء الميوعة والانحلال, وإن هذه الطريقة قد تساهل بها بعض الآباء, وتمادوا في تركها, وإن مشاهدة الولد للروايات البوليسية, والأفلام الخلاعية, وقراءته للمجلات الماجنة, والقصص الغرامية, لتشجعه على الانحراف والإجرام؛ لأن مثل هذه الأمور تُفسد أخلاق الكبار فضلاً عن المراهقين والأطفال الصغار. وقد ظهر هذا واضحاً جلياً في مظاهر بعض الشباب, الذين انخرطوا في هذا التيار.

ومن طرقها: أمرهم بالصلاة لسبع, وترغيبهم وحثهم عليها, ولا فرق في ذلك بين صلاة الفجر وبقية الصلوات, حيث أن بعضهم يتفقد ويأمر أبنائه في جميع الصلوات, وأما صلاة الفجر فكأنه لم يُطَالَب بها, وكأنها لم تُكتَب عليه, وإن الأولى للولي أن يهتم بتعويده صلاة الفجر؛ لأنها هي التي تشق على النفوس, وهي التي تحتاج إلى مجاهدة وعناء, فإذا اعتاد الابن على صلاة الفجر منذ الصغر استطاع بإذن الله أن يداوم عليها في الكِبَر.

ولقد أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بذلك, فقال: «مروا أبنائكم بالصلاة لسبع, واضربوهم عليها لعشر, وفرقوا بينهم في المضاجع»( ) رواه أبو داود.

وشروط الضرب: أن لا يلجأ إليه إلا بعد استنفاد جميع الوسائل التأديبية, وأن لا يضرب في الأماكن المؤذية؛ كالرأس, والوجه, والصدر, وأن يضربه بنفسه, ولا يتركه لأحد من إخوته, حتى لا تتأجج بينهم نيران الأحقاد والمنازعات.

ومن طرقها: اختيار الرفيق الصالح, واختيار المدرسة التي تطمئن فيها على سلوك ولدك, فإن الولد الذي يُترك لقرناء السوء ورفقاء الفساد يتلقن منهم اللعن والسب والشتم, ويكتسب منهم أقبح العادات والأخلاق, وينشأ على أسوء ما يكون من التربية الفاسدة, لذلك كان السلف يحرصون على هذه الخصلة؛ لأنها من أهم الخصال, فكانوا يختارون لأبنائهم المربين الناصحين, فهذا هشام ابن عبد الملك يقول لمؤدب ولده: إن ابني هذا هو جلدة ما بين عيني, وقد وليتك تأديبه, فعليك بتقوى الله, وَأَدِّ الأمانة, وأول ما أوصيك به: أن تأخذه بكتاب الله, ثم رَوِّه من الشعر أحسنه, ثم تخلل به في أحياء العرب, فخذ من صالح شعرهم, وبَصِّره طرفاً من الحلال والحرام, والخُطَب والمغازي( ).

وهذا عبد الملك بن مروان ينصح المؤدب, فيقول له: علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن, واحملهم على الأخلاق الجميلة, وجالس بهم أشراف الرجال, واضربهم على الكذب, فإن الكذب يهدي إلى الفجور, وإن الفجور يدعو إلى النار.

أيها المسلمون!

إن ما ذكرناه يُعتبر غيض من فيض, وإن مما عندكم أكثر مما سمعتموه, والمقصود أن يقوم المسلم على قدم وساق, لتربية من وُكِل إليه, حتى يُعذر عند الله؛ لأنك إذا عملت الأسباب لتربية ولدك, ثم لم يرد الله له هداية..

.. وسلم على عبدك ورسولك محمد, وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة, أبي بكر, وعمر, وعثمان, وعلي, وعن سائر الصحابة أجمعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم أصلح شباب المسلمين, اللهم رد ضالهم إليك رداً جميلاً, برحمتك يا أرحم الراحمين, اللهم قُرَّ عيوننا بصلاح آبائنا وأبنائنا, وبناتنا وأزواجنا, وإخواننا وأخواتنا, اللهم أعز الإسلام والمسلمين, واخذل الشرك والمشركين, اللهم أصلح ولاة أمورنا..

 


تعليقات
0
لا يوجد تعليقات
دعوة لطلاب العلم
دعوة لطلاب العلم

دعوة لطلاب العلم للشيخ/ محمد بن سليمان المحيسني الخطبة الأولى: الحمد لله الذي بدد بنور العلم ظلمات الجهل الحالكة, أحمده سبحانه, جعل العلم طريقاً إلى العزة والسعادة, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, رسول الهدى وبحر العلوم الزاخرة, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه النجوم الطاهرة. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله, وقوموا بما أوجبه الله عليكم في كتابه, وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم, لتنالوا بذلك السعادة في الدنيا والآخرة. أيها المسلمون! إننا لنرى في هذه الأيام عجباً, نرى أمراً يُثلج الصدر, ويُطَمئن القلب, ويُرِيح الخاطر, نرى الشباب قد عكفوا على كتبهم, وقد لزموا مساجدهم, فجمعوا بين طلب العلم, والرباط في سبيل .....

دعوة لطلاب العلم

دعوة لطلاب العلم

للشيخ/ محمد بن سليمان المحيسني

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي بدد بنور العلم ظلمات الجهل الحالكة, أحمده سبحانه, جعل العلم طريقاً إلى العزة والسعادة, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, رسول الهدى وبحر العلوم الزاخرة, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه النجوم الطاهرة.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله, وقوموا بما أوجبه الله عليكم في كتابه, وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم, لتنالوا بذلك السعادة في الدنيا والآخرة.

أيها المسلمون!

إننا لنرى في هذه الأيام عجباً, نرى أمراً يُثلج الصدر, ويُطَمئن القلب, ويُرِيح الخاطر, نرى الشباب قد عكفوا على كتبهم, وقد لزموا مساجدهم, فجمعوا بين طلب العلم, والرباط في سبيل الله, وهو المُكث في بيت الله, إذ قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن انتظار الصلاة بعد الصلاة رباط»( ), وفيه من يمكث أكثر مدته في المسجد, وهذا شيء يَسُر, ويذكرنا بسلفنا الصالح رحمهم الله, ولكن الإنسان لا يستطيع إكمال فرحته؛ لأنه يعلم ويؤكد أن ما حصل إنما هو عمل مؤقت, يزول بزوال الامتحانات الدراسية, والأدهى من ذلك وأمر أنه يزول ما حفظوه أيضاً في هذه المدة, وإن هذا يا طلبة العلم, أمر يحتاج إلى نظر, ويحتاج إلى رَوِيَّة, وإلى سؤال يُطرح على النفوس, إذ أن انقطاع العمل الصالح خصلة ليست بالحميدة, هذه من جهة.

ومن جهة أخرى أن طلب العلم الشرعي ليس له وقت معين, وليست له مدة محدودة, فالعلم بحر لا ساحل له, ولا يُنال إلا بطول الزمان, والحرص التام, إذاً فما السبب؟ فما السبب في عكوف الكثيرين منهم على الكتب, وعلى المكث في المساجد؟ مما لا شك فيه أن هناك سبب واحد, وهو أن من هذه طريقته فليس نيته خالصة لله, بل هي مشوبة بقصد آخر, ومن المعلوم عند الجميع أن العلم من الأعمال التي يجب فيها إخلاص النية لله, فلا يجوز طلب أي غرض من الأغراض الدنيوية به؛ كالشهادة, والصنعة والرياء والمفاخرة وغير ذلك, وقد ثبت ما يدل على ذلك, حيث روى... الأصبحي, «أنه دخل المدينة, فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس, فقال: من هذا, فقالوا: أبو هريرة, قال: فدنوت منه, حتى قعدت بين يديه وهو يحدث الناس, فلما سكت وخلا, قلت: «أنشدك بحق وبحق, لما حدثتني حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم, عقلته وعلمته, قال: فقال أبو هريرة: أفعل, لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم, حدثنيه في هذا البيت, ما فيه أحد غيري وغيره, ثم نَشَغ أبو هريرة نشغة, أي: شهق شهقة, ثم أفاق, فقال: لأحدثنك حديثاً حدثنيه رسول الله في هذا البيت, ما فيه أحد غيري وغيره, ثم نشغل أبو هريرة نشغة أخرى, ثم مال خارّاً على وجهه, واشتد به طويلاً ثم أفاق, فقال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة نزل إلى القيامة ليقضي بينهم, وكل أمة جاثية, فأول من يدعو به رجل جمع القرآن, ورجل قُتل في سبيل الله, ورجل كثير المال, فيقول الله تبارك وتعالى للقارئ: ألم نعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب, قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم آناء الليل وآناء النهار, فيقول الله له: كذبت, وتقول له الملائكة: كذبت, ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان قارئ, فقد قيل ذلك, ويؤتى بصاحب المال, فيقول الله له: ألم نوسع عليك, حتى لم ندعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب, قال: فما عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل به الرحم وأتصدق, فيقول الله له: كذبت, وتقول له الملائكة: كذبت, ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان جواد, فقد قيل ذلك, ويؤتى بالذي قُتل في سبيل الله, فيقال له: فبماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك, فقاتلت حتى قتلت, فيقول الله له: كذبت, وتقول له الملائكة: كذبت, ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان جريء, فقد قيل ذلك, ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي, فقال: يا أبا هريرة, أولئك الثلاثة أول خلق الله تُسَعَّر بهم النار يوم القيامة»( )».

إخوتي المسلمون!

بهذا الحديث يتبين أن أي عمل من أعمال الخير؛ كطلب العلم, والصدقة, والصلاة, لا بد أن يكون خالصاً لله.

وكذلك يقول الله جل شأنه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ (15) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[هود:15، 16], فمن أراد بعمله عَرَضٌ من الدنيا, وانطوت نيته على ذلك, فليعلم أن مصيره إلى ما سمعه من قول المولى جل جلاله.

فيا أخي في الله!

بالله عليك, هل دراستك هذه لله؟ إذا كان الجواب نعم, فَدُم على ما تفعله الآن, أو أقل منه بشيء يسير, ولا تنقطع كعادتك, فطلب العلم لا يُنال بيوم أو يومين, أو أسبوع وأسبوعين.

أخي في الله!

لست أنصحك بترك الدراسة, وقطع المذاكرة, وإنما أعظك بإخلاص النية, ودوام المطالعة, فليكن هذا... وهذه مسيرتك طيل حياتك, فوالله إننا الآن في وقت يحتاج فيه المسلمون العلماء وطلبة العلم أكثر من الأوقات الماضية, ولا داعي لذكر السبب مفصلاً, فعند جهينة الخبر اليقين, الكل يعلم ويرى, الكل يعلم ويرى ابتعاد كثير من المسلمين عن تعاليم دينهم, وانهماكهم في تيارات أعدائهم, وتهافتهم عليها, حتى إن بعضهم لا يعرف معنى الصلاة التي يصليها, وبعضهم لا يميز بين النافع والضار, ولا يفرق بين الحلال والحرام, وإن فيه والله قرىً نائية لا تعرف من أحكام الإسلام شيئاً, حتى ذُكر أن بعض أهل تلك القرى يزوجون ويتزوجون بدون عقود شرعية, فيكثر فيهم أولاد الزنا, وهذا من شدة جهلهم, وبُعدهم عن تعاليم دينهم, وبعضهم يقترف أنواعاً من المعاصي الكبيرة, جاهلاً حكمها وعِظَم جُرمها.

فيا أخي!

والله إن أمثال هؤلاء ليسوا بحاجة إلى شهادتك, وليسوا بحاجة إلى منصبك, وإنما هم بحاجة إلى علمك وثقافتك, فاطلب العلم وأحسن النية في طلبه, لتكون داعية إلى الله, ولتكون وارثاً من ورثة أنبياء الله, فالعلماء هم ورثة الأنبياء( ), وهم نجوم الأرض, وهم القدوة, وهم الأعلون في الدنيا والآخرة.

فيا طلاب العلم!

أفيقوا, يا طلاب العلم أعدائكم لا ينامون من شدة حرصهم على إذلال إخوانكم وأخواتكم, فأسهروا ليلكم دفاعاً عن دينكم, وحماية لشريعتكم.

يا طلاب العلم!

إذا كان الدعاة والخطباء يلحون على العصاة أن يتركوا معاصيهم, فإنهم لا يكتفون منكم بإعفاء لحاكم وتقصير ثيابكم, بل يطالبونكم بالدخول في ساحة الجهاد, في ساحة الدعوة إلى الله, في نشر الخير والحق بين عباد الله, فليس الجهاد حمل السلاح, وإنما من الجهاد تسخير اللسان والقلم, والنظر في مناطق الضعف, وسد الثغور التي منها يدخل الأعداء سمومهم, فالصحابة لم يكتفوا بدخولهم في دين الله, بل جاهدوا ودعوا وناصحوا, حتى أوذوا فصبروا, فَنُصروا وتمكنوا, وتم وعد الله لهم, ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾[آل عمران:195]. فتكفير السيئات, ودخول الجنات, لم يحصل لهم إلا بعد الجهاد والكفاح.

فيا طلاب العلم!

إذا كانت الدعوة إلى الله من أعظم الجهاد في سبيل الله, فاعلموا أن الدعوة لا تتأتى إلا بطلب العلم الشرعي.

إخوتي في الله!

أكرر الكلام مرة ثانية, أقول: سيروا على ما تسيرون عليه الآن, من الجد والحيوية, ودوموا على ذلك, كما أقول: والله إن بلد العلم حول رُكَب العلماء لَهُوَ الوسيلة العظمى لتحصيله, فحبذا لو تجمعون بين الدراسة المنهجية وبين الالتفاف في حِلَق العلماء, فالعلماء الذين سادوا البلاد بعلمهم, ونشروا الحق في مجتمعهم, إنما حَصَّلوه بالمواظبة على دروس علمائهم, في بيوت ربهم.

أيها الإخوة في الله!

في نهاية هذه الخطبة, أحب أن أشير إلى بعض أخطاء يقع بها بعض الطلاب في مذاكراتهم:

الخطأ الاول: إحضار بعضهم لبعض الكتب التي تحمل في طيها الصور, وهذا عمل محرم, يجب اجتنابه, فبيت الله يجب أن يُحترم ويُحافظ عليه, من هذه الصور وغيرها من المحرمات.

الخطأ الثاني: يُلاحظ من بعضهم كثرة المزاح والكلام الذي لا فائدة فيه, وهذا أمر منهي عنه, وارتفاع الأصوات في المساجد من الأمور الممقوتة, والذي يسبب هذا أن الطالب يسأم ويمل من كثرة القراءة, فيبحث عن السبيل إلى تنفيس ما فيه من ملل, فيلجأ إلى مداعبة من بجانبه وممازحته, فالأولى بهؤلاء أن يضعوا وقتاً معيناً لراحتهم, فإذا حان هذا الوقت خرجوا من بيت الله, وإذا انتهى حديثهم رجعوا إلى مذاكرتهم في بيت الله. وبالجملة بيت الله يجب أن يُنزَّه ويُحترم من كل عمل قبيح, ومن كل كلام فاحش.

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, أقول قولي هذا, وأستغفر الله لي ولكم, ولسائر المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين, أمر بحفظ الأوقات فيما ينفع من فعل الخيرات والطاعات, ونهى عن إضاعتها في اللهو والغفلات, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وإلهيته, وما له من الأسماء والصفات, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, أول سابق إلى الخيرات, ومُحَذِّر عن طريق الهلكات, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ذوي المناقب والكرامات, وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

أيها الناس!

اتقوا الله تعالى, واعلموا أن هذا العمر مزرعة, تجني ثمارها في الدار الآخرة, فإن زرعته بخير وعمل صالح جنيت السعادة والفلاح, وكنت مع الذين يُنادون في الدار الباقية ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾[الحاقة:24], وإن ضيعته وزرعته بالمعاصي ندمت, وقيل ذلك بعدما تمنيت الرجوع لتعمل صالحاً: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾[فاطر:37].

أيها المسلمون!

بعد أيام قليلة ستغلق المدارس أبوابها, ليستعيد الطلاب نشاطهم, وليقضوا بها حوائجهم, فيا ترى ما هو تفكير بعض الناس في قضاء هذه الإجازة؟

فيا أيها المسلمون!

إن هناك طرقاً خَيِّرة يستطيع الإنسان أن يقضي إجازته, وقد جمع لأولاده خيري الدنيا والآخرة:

فالطريقة الأولى: السفر إلى بيت الله الحرام لأداء العمرة, فيالها من قُربة, ويالها من عبادة, وللصلاة فيه, إذ الصلاة فيه بمائة ألف صلاة فيما سواه( ), وزيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فالصلاة فيه تعدل ألف صلاة فيما سواه, ما عدا المسجد الحرام( ), ومن ثم السلام على رسول الله, الذي كان سبباً في إنقاذنا من الجحيم إلى النعيم, ومن النار إلى الجنة.

الطريقة الثانية: السفر لزيارة الأقارب, وصلة الأرحام, لتقر الأعين ببعضها, ولأداء حق الله عليه, ولقد سئل رسول الله عن خير الناس, فقال: «أتقاهم لله, وأوصلهم لرحمه, وآمرهم بالمعروف, وأنهاهم عن المنكر»( ), رواه الإمام أحمد والطبراني بإسناد حسن.

وهناك طريقة ثالثة: وهي قليلة الفائدة في بعض الأحيان, إلا أنه لا يحرم فعلها, أعني بها الخروج إلى البراري؛ للنزهة والتلذذ المباح, فهذا لا مانع فيه إذا حافظ الإنسان على الصلوات, والإكثار من القربات, والإقلال من الملهيات, والذي نُحَذِّر..

 

 


تعليقات
0
لا يوجد تعليقات
المقاﻻت المقروءه
فتاوى العلماء حول صيام ست من شوال
فتاوى العلماء حول صيام ست من شوال

                            فتاوى العلماء حول صيام ست من شوال محمد بن سليمان المحيسني السؤال: هل هناك أفضلية لصيام ست من شوال؟ وهل تصام متفرقة أم متوالية؟ الجواب: نعم، هناك أفضلية لصيام ستة أيام من شهر شوال، كما جاء في حديث رسول الله  صلى الله عليه وسلم : «من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر» [رواه مسلم في كتاب الصيام بشرح النووي (8/56)]، يعني: صيام سنة كاملة. وينبغي أن يتنبه الإنسان إلى أن هذه الفضيلة لا تتحقق إلا إذا انتهى رمضان كله، ولهذا إذا كان على الإنسان قضاء من رمضان صامه أولاً ثم صام ستاً من شوال، وإن صام الأيام الستة من ش.....

فتاوى العلماء حول صيام ست من شوال

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فتاوى العلماء حول صيام ست من شوال

محمد بن سليمان المحيسني

السؤال:

هل هناك أفضلية لصيام ست من شوال؟ وهل تصام متفرقة أم متوالية؟

الجواب: نعم، هناك أفضلية لصيام ستة أيام من شهر شوال، كما جاء في حديث رسول الله  صلى الله عليه وسلم : «من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر» [رواه مسلم في كتاب الصيام بشرح النووي (8/56)]، يعني: صيام سنة كاملة.

وينبغي أن يتنبه الإنسان إلى أن هذه الفضيلة لا تتحقق إلا إذا انتهى رمضان كله، ولهذا إذا كان على الإنسان قضاء من رمضان صامه أولاً ثم صام ستاً من شوال، وإن صام الأيام الستة من شوال ولم يقض ما عليه من رمضان فلا يحصل هذا الثواب سواء قلنا بصحة صوم التطوع قبل القضاء أم لم نقل، وذلك لأن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: «من صام رمضان ثم أتبعه..» والذي عليه قضاء من رمضان يقال صام بعض رمضان ولا يقال صام رمضان، ويجوز أن تكون متفرقة أو متتابعة، لكن التتابع أفضل؛ لما فيه من المبادرة إلى الخير وعدم الوقوع في التسويف الذي قد يؤدي إلى عدم الصيام. [فتاوى ابن عثيمين –رحمه الله- كتاب الدعوة (1/52-53)].

فضل صيام الستّ من شوال

السؤال: ما حكم صيام الستّ من شوال، وهل هي واجبة؟.

الجواب: صيام ست من شوال بعد فريضة رمضان سنّة مستحبّة وليست بواجب، ويشرع للمسلم صيام ستة أيام من شوال، و في ذلك فضل عظيم، وأجر كبير ذلك أن من صامها يكتب له أجر صيام سنة كاملة كما صح ذلك عن المصطفى صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر» [رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه].

وقد فسّر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾» وفي رواية: «جعل الله الحسنة بعشر أمثالها فشهر بعشرة أشهر وصيام ستة أيام تمام السنة» [النسائي وابن ماجة، وهو في صحيح الترغيب والترهيب 1/421]، ورواه ابن خزيمة بلفظ: «صيام شهر رمضان بعشرة أمثالها وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام السنة».

وقد صرّح الفقهاء من الحنابلة والشافعية: بأن صوم ستة أيام من شوال بعد رمضان يعدل صيام سنة فرضا، وإلا فإنّ مضاعفة الأجر عموما ثابت حتى في صيام النافلة لأن الحسنة بعشرة أمثالها.

ثم إنّ من الفوائد المهمّة لصيام ستّ من شوال تعويض النّقص الذي حصل في صيام الفريضة في رمضان إذ لا يخلو الصائم من حصول تقصير أو ذنب مؤثّر سلبا في صيامه ويوم القيامة يُؤخذ من النوافل لجبران نقص الفرائض كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة قال يقول ربنا جل وعز لملائكته وهو أعلم انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها فإن كانت تامة كتبت تامة وإن انتقص منها شيئا قال انظروا هل لعبدي من تطوع فإن كان له تطوع قال أتموا لعبدي فريضته من تطوعه ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم» [رواه أبو داود]. والله أعلم. [الشيخ محمد صالح المنجد www.islam-qa.com]

شهر شوال كله محل لصيام الست:

السؤال: هل يجوز للإنسان أن يختار صيام ستة أيام في شهر شوال، أم أن صيام هذه الأيام لها وقت معلوم؟ وهل إذا صامها تكون فرضاً عليه؟

الجواب: ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستّاً من شوال كان كصيام الدهر» خرجه الإمام مسلم في الصحيح، وهذه الأيام ليست معينة من الشهر بل يختارها المؤمن من جميع الشهر، فإذا شاء صامها في أوله، أو في أثنائه، أو في آخره، وإن شاء فرقها، وإن شاء تابعها، فالأمر واسع بحمد الله، وإن بادر إليها وتابعها في أول الشهر كان ذلك أفضل؛ لأن ذلك من باب المسارعة إلى الخير، ولا تكون بذلك فرضاً عليه، بل يجوز له تركها في أي سنة، لكن الاستمرار على صومها هو الأفضل والأكمل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل» والله الموفق.

[مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ: عبدالعزيز بن باز – رحمه الله- الجزء 15 ص 390].

لا يشترط التتابع في صيام ست شوال:

السؤال: هل يلزم في صيام الست من شوال أن تكون متتابعة أم لا بأس من صيامها متفرقة خلال الشهر؟

الجواب: صيام ست من شوال سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجوز صيامها متتابعة ومتفرقة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أطلق صيامها ولم يذكر تتابعاً ولا تفريقاً، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر» أخرجه الإمام مسلم في صحيحه. وبالله التوفيق. [مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ: عبدالعزيز بن باز – رحمه الله – الجزء 15 ص 391].

المشروع تقديم القضاء على صوم الست:

السؤال: هل يجوز صيام ستة من شوال قبل صيام ما علينا من قضاء رمضان؟

الجواب: قد اختلف العلماء في ذلك، والصواب أن المشروع تقديم القضاء على صوم الست وغيرها من صيام النفل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان ثم أتبعه ستّاً من شوال كان كصيام الدهر» خرجه مسلم في صحيحه.

ومن قدم الست على القضاء لم يتبعها رمضان، وإنما أتبعها بعض رمضان؛ ولأن القضاء فرض، وصيام الست تطوع، والفرض أولى بالاهتمام والعناية. وبالله التوفيق. [مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ: عبدالعزيز بن باز – رحمه الله- الجزء 15 ص 392].

موالاة صيام الست:

السؤال: هل صيام الأيام الستة يلزم بعد شهر رمضان عقب يوم العيد مباشرة أو يجوز بعد العيد بعدة أيام؟ على أن تصام متتالية في شهر شوال؟

الجواب: لا يلزمه أن يصومها بعد عيد الفطر مباشرة، بل يجوز أن يبدأ صومها بعد العيد بيوم أو أيام، وأن يصومها متتالية أو متفرقة في شهر شوال حسب ما يتيسر له، والأمر في ذلك واسع، وليست فريضة بل هي سنة. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. [اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (10/391)].

هل تبدأ المرأة بقضاء رمضان أو بستّ شوال:

السؤال: بالنسبة لصيام ستة من أيام شوال بعد يوم العيد، هل للمرأة أن تبدأ بصيام الأيام التي فاتتها بسبب الحيض ثم تتبعها بالأيام الستة أم ماذا؟

الجواب: الحمد لله إذا أرادت الأجر الوارد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتّاً مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» [رواه مسلم رقم 1984] فعليها أن تتمّ صيام رمضان أولا ثم تتبعه بست من شوال لينطبق عليها الحديث وتنال الأجر المذكور فيه.

أمّا من جهة الجواز فإنه يجوز لها أن تؤخرّ القضاء بحيث تتمكن منه قبل دخول رمضان التالي. [الشيخ محمد صالح المنجد www.islam-qa.com].

هل يشرع في صيام الست وعليه قضاء من رمضان:

السؤال: هل من صام ستة أيام من شوال بعد شهر رمضان إلا أنه لم يكمل صوم رمضان، حيث قد أفطر من شهر رمضان عشرة أيام بعذر شرعي، هل يثبت له ثواب من أكمل صيام رمضان وأتبعه ستاً من شوال، وكان كمن صام الدهر كله؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً..

الجواب: تقدير ثواب الأعمال التي يعملها العباد لله هو من اختصاص الله جل وعلا، والعبد إذا التمس الأجر من الله جل وعلا واجتهد في طاعته فإنه لا يضيع أجره، كما قال تعالى: ﴿إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً، والذي ينبغي لمن كان عليه شيء من أيام رمضان أن يصومها أولا ثم يصوم ستة أيام من شوال؛ لأنه لا يتحقق له اتباع صيام رمضان لست من شوال إلا إذا كان قد أكمل صيامه. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. [فتاوى الجنة الدائمة 10/392 www.islam-qa.com].

متى يبدأ المسلم بصيام ستة أيام من شوال:

السؤال: متى يُمكن أن أبدا بصيام الستّ من شوال حيث أنه يوجد لدينا إجازة سنوية الآن؟

الجواب: يُمكن الشروع بصيام الستّ من شوال ابتداء من ثاني أيام شوال لأنّ يوم العيد يحرم صيامه ويُمكن أن تصوم الستّ في أيّ أيام شوال شئت وخير البرّ عاجله.

وقد جاء إلى اللجنة الدائمة السؤال التالي: هل صيام الأيام الستة تلزم بعد شهر رمضان عقب يوم العيد مباشرة أو يجوز بعد العيد بعدة أيام متتالية في شهر شوال أو لا؟ فأجابت بما يلي: لا يلزمه أن يصومها بعد عيد الفطر مباشرة، بل يجوز أن يبدأ صومها بعد العيد بيوم أو أيام، وأن يصومها متتالية أو متفرقة في شهر شوال حسب ما يتيسر له، والأمر في ذلك واسع، وليست فريضة بل هي سنة. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. [فتاوى اللجنة الدائمة 10/391 www.islam-qa.com].

هل صيام ست من شوال مكروه كما يقول بعض العلماء؟

السؤال: ماذا ترى في صيام ستة أيام بعد رمضان من شهر شوال، فقد ظهر في موطأ مالك: أن الإمام مالك بن أنس قال في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان: أنه لم ير أحداً من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وأن أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه، هذا الكلام في الموطأ الرقم 228 الجزء الأول؟

الجواب: الحمد لله ثبت عن أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان، ثم أتبعه ستاً من شوال فذاك صيام الدهر» [رواه أحمد (5/417) ومسلم (2/822) وأبو داود (2433) والترمذي (1164)].

فهذا حديث صحيح يدل على أن صيام ستة أيام من شوال سنة، وقد عمل به الشافعي وأحمد وجماعة من أئمة من العلماء، ولا يصح أن يقابل هذا الحديث بما يعلل به بعض العلماء لكراهة صومها من خشية أن يعتقد الجاهل أنها من رمضان، أو خوف أن يظن وجوبها، أو بأنه لم يبلغه عن أحد ممن سبقه من أهل العلم أنه كان يصومها، فإنه من الظنون، وهي لا تقاوم السنة الصحيحة، ومن علم حجة على من لم يعلم. وبالله التوفيق. [اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (10/389) www.islam-qa.com دار ابن خزيمة].

حكم صيام ست من شوال قبل قضاء رمضان:

السؤال: اذا أرادة المرأة اأن تصوم الستة من شوال وعليها عدة أيام قضاء من رمضان فهل تصوم أولا القضاء أم لا بأس بأن تصوم الستة من شوال ثم تقضي؟

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم اختلف العلماء في جواز صيام التطوع قبل الفراغ من قضاء رمضان على قولين في الجملة:

الأول: جواز التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان، وهو قول الجمور إما مطلقاً أو مع الكراهة.

فقال الحنفية بجواز التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان؛ لكون القضاء لا يجب على الفور بل وجوبه موسع وهو رواية عن أحمد.

أما المالكية والشافعية فقالوا: بالجواز مع الكراهة, لما يترتب على الاشتغال بالتطوع عن القضاء من تأخير الواجب.

الثاني: تحريم التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان, وهو المذهب عند الحنابلة.

والصحيح من هذين القولين هو القول بالجواز؛ لأن وقت القضاء موسع، والقول بعدم الجواز وعدم الصحة يحتاج إلى دليل، وليس هناك ما يعتمد عليه في ذلك.

أما ما يتعلق بصوم ست من شوال قبل الفراغ من قضاء ما عليه من رمضان ففيه لأهل العلم قولان: الأول: أن فضيلة صيام الست من شوال لا تحصل إلا لمن قضى ما عليه من أيام رمضان التي أفطرها لعذر.

واستدلوا لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما رواه مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري: من صام رمضان ثم أتبعه ستّاً من شوال كان كصيام الدهر.

وإنما يتحقق وصف صيام رمضان لمن أكمل العدة.

قال الهيتمي في تحفة المحتاج (3/457): "لأنها مع صيام رمضان أي: جميعه، وإلا لم يحصل الفضل الآتي وإن أفطر لعذر".

وقال ابن مفلح في كتابه الفروع (3/108): "يتوجه تحصيل فضيلتها لمن صامها وقضى رمضان وقد أفطره لعذر, ولعله مراد الأصحاب, وما ظاهره خلافه خرج على الغالب المعتاد, والله أعلم".

وبهذا قال جماعة من العلماء المعاصرين كشيخنا عبد العزيز بن باز وشيخنا محمد العثيمين رحمهما الله.

الثاني: أن فضيلة صيام الست من شوال تحصل لمن صامها قبل قضاء ما عليه من أيام رمضان التي أفطرها لعذر؛ لأن من أفطر أياماً من رمضان لعذر يصدق عليه أنه صام رمضان فإذا صام الست من شوال قبل القضاء حصل ما رتبه النبي صلى الله عليه وسلم من الأجر على إتباع صيام رمضان ستاً من شوال.

وقد نقل البجيرمي في حاشيته على الخطيب بعد ذكر القول بأن الثواب لا يحصل لمن قدم الست على القضاء محتجاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم ثم أتبعه ستاً من شوال (2/352) عن بعض أهل العلم الجواب التالي: "قد يقال التبعية تشمل التقديرية لأنه إذا صام رمضان بعدها وقع عما قبلها تقديراً, أو التبعية تشمل المتأخرة كما في نفل الفرائض التابع لها اهـ. فيسن صومها وإن أفطر رمضان".

وقال في المبدع (3/52): "لكن ذكر في الفروع أن فضيلتها تحصل لمن صامها وقضى رمضان وقد أفطر لعذر ولعله مراد الأصحاب، وفيه شيء".

والذي يظهر لي أن ما قاله أصحاب القول الثاني أقرب إلى الصواب؛ لا سيما وأن المعنى الذي تدرك به الفضيلة ليس موقوفاً على الفراغ من القضاء قبل الست فإن مقابلة صيام شهر رمضان لصيام عشرة أشهر حاصل بإكمال الفرض أداء وقضاء وقد وسع الله في القضاء فقال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ [البقرة:185]، أما صيام الست من شوال فهي فضيلة تختص هذا الشهر تفوت بفواته.

ومع هذا فإن البداءة بإبراء الذمة بصيام الفرض أولى من الاشتغال بالتطوع.

لكن من صام الست ثم صام القضاء بعد ذلك فإنه تحصل له الفضيلة إذ لا دليل على انتفائها، والله أعلم. [أخوكم خالد بن عبدالله المصلح 14/10/1424هـ].

 


تعليقات
0
لا يوجد تعليقات
إلى كلّ مهموم .. افزع إلى الصلاة  لفضيلة الشيخ  محمد المحيسني
إلى كلّ مهموم .. افزع إلى الصلاة لفضيلة الشيخ محمد المحيسني

                            إلى كلّ مهموم.. افزع إلى الصلاة محمد بن سليمان المحيسني أرشدنا الله سبحانه إلى الاستعانة بالصبر والصلاة كلما حزبنا أمر أو أهمّنا، فما سر ذلك، وما دور الصلاة في قضاء الحاجات وتفريج الهموم؟ لعلنا في هذه الخاطرة نحاول أن نستجلي بعضًا من أسرار الصلاة، من خلال بعض التأمل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.. روى الإمام احمد عن حذيفة، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة». قال ابن جرير: وقد حدثنا محمد بن العلاء ويعقوب بن إبراهيم، قالا حدثنا ابن عُلَيَّة، حدثنا عُيَينة بن عبد الرحمن، عن أبيه: أن ابن ع.....

إلى كلّ مهموم .. افزع إلى الصلاة لفضيلة الشيخ محمد المحيسني

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إلى كلّ مهموم.. افزع إلى الصلاة

محمد بن سليمان المحيسني

أرشدنا الله سبحانه إلى الاستعانة بالصبر والصلاة كلما حزبنا أمر أو أهمّنا، فما سر ذلك، وما دور الصلاة في قضاء الحاجات وتفريج الهموم؟ لعلنا في هذه الخاطرة نحاول أن نستجلي بعضًا من أسرار الصلاة، من خلال بعض التأمل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم..

روى الإمام احمد عن حذيفة، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة».

قال ابن جرير: وقد حدثنا محمد بن العلاء ويعقوب بن إبراهيم، قالا حدثنا ابن عُلَيَّة، حدثنا عُيَينة بن عبد الرحمن، عن أبيه: أن ابن عباس نُعي إليه أخوه قُثَم وهو في سفر، فاسترجع، ثم تنحَّى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته، وهو يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ.

عندما تضغط عليك ظروف الحياة وتكلفك فوق ما تستطيع بذله من الأسباب،فأين تذهب؟ ستذهب إلى فلان من الناس تستنجد به، وقد يفعل وقد لا يفعل، وقد يستطيع وقد لا يستطيع، ربما يتعاطف معك وربما لا، إذن فالاتجاه يجب أن يكون إلى الله عز وجل الذي لا يعجزه شيء..

الصبر يمنحك القدرة على التفكير المتزن والصلاة هي مثول بين يدي سيدك لتطلب حاجتك وتفزع إليه في كربتك، وربك يدلك ويرشدك.

قد تصيبك الهموم فتحاول أن تنسى بطريقة ما، كالذهاب إلى شخص أو تناول ما يذهب العقل، لكن النسيان لا يحل ما تعاني منه وهو باق على حاله، وأنت بذلك تتخلى عن عقلك أحوج ما تكون إليه...

فحل المسالة إذن هو أن اتجه إلى ربي واقف بين يديه ثم أستغيثه وهو سبحانه لا يرد يدي عبده صفرا.

فقط قف بين يدي الكريم في حدود ما افترضه عليك ما يعني انك تقابله في اليوم خمس مرات تقول له إياك أعبد يا رب وإياك أستعين، وفي كل مرة يعد ترميم جسدك وصيانة روحك المجهدة.

لاحظ أخي المسلم كم هو الفرق بين خروج المصلين عقب صلاة الجمعة، وبين خروج المحتفلين بمناسبة ما، هؤلاء طابعهم الهدوء والسكينة والاطمئنان بينما أولئك طابعهم الصخب والتدافع وقد تسرق حاجياتهم وقد يدوس بعضهم بعضا..

فالصلاة تخلق لدى المسلم توازنا وشعورا بالرضا والاطمئنان.

وأمر آخر: عندما تريد مقابلة ملك أو صاحب جاه لا بد لك من تقديم طلب للمقابلة ولا بد لك من الإجابة على أسئلة عديدة وقد يوافق وقد لا يفعل، وقد تجده في الموعد وقد لا تجده، لكننا مع الله عز وجل لا نحتاج إلى شيء من ذلك، أنت تحدد الزمان والمكان والموضوع والحديث، ومدة المقابلة.

فعبوديتك لله ولجوءك إليه جعل منك سيدا تحدد متى وأين ومتى ولماذا..

يكفيك فقط أن تتوجه إلى القبلة ثم تقول: الله أكبر؛ لتصبح في حضرة ملك الملوك تتوجه إليه بالعبادة وتطلب منه العون، وبإمكانك أن تجلس بين يديه ما شئت فهو لا يمل حتى تمل حتى ولو قضيت عمرك كله...

وفوق ذلك كله ربك يحتفي بك غاية الحفاوة، فهل بعد هذه السيادة شيء؟

حسب نفسي عزا بأني عبد *** يحتفي بي بلا مواعيد ربُّ

هو في قدسه الأعز ولكن *** أنا ألقاه متى وأين أحبُّ

فالعبودية لله رب العالمين هي أعلى مقامات السيادة وهو سبحانه يذكرك على عظمته وضآلتك بمقدار ما تذكره بل وأعلى وهو يسعى إليك بأسرع مما تسعى إليه.

في الحديث الصحيح: «يقول الله تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه».

وروى الإمام أحمد: عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: يا ابن آدم، إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ من الملائكة -أو قال: في ملأ خير منهم -وإن دنوت مني شبرًا دنوت منك ذراعًا، وإن دنوت مني ذراعا دنوت منك باعا، وإن أتيتني تمشي أتيتك أهرول».

فإذا لم تكن السيادة هي ما أنت عليه وأنت في هذه الحال فماذا تكون؟ فيا أيها المهموم ويا من تواجه صعوبات الحياة ومنغصاتها افزع إلى الصلاة وقابل ربك متى وأنى شئت وكيفما تريد فأنت في محل الترحيب والإكرام والحفاوة في كل وقت وحين، وربك يدعوك ويناديك أن: هلم إليّ.

والحمد لله رب العالمين..


تعليقات
0
لا يوجد تعليقات
مكتبة الكتب
إستمع لتلاوات الشيخ
Telawat Audio Player demo
تصفح موقع الشيخ بمختلف لغات العالم
Mohamed Almohisini
language icon
خدمة تعليم القرآن للصم والبكم
موسسة المحيسني الخيرية
Mohamed Almohisin
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي
تابعنا قناة الشيخ على موقع تليجرام